تكتب هذه الألفاظ على صورها في أنفسها بل كتبت على صور الحروف . وقوله لا على صور أساميها أصله
لا على صورها ، على أن الضمير لهذه الألفاظ كما في فما بالها موضع الأسامي موضع ذلك الضمير ، وأضيف إلى
ضمير الحروف تصريحا بأن هذه الألفاظ أسامي الحروف فحقها أن تكتب على صور الأسامي . والجواب بوجوه
ثلاثة : أن الكلم كلها مركبة من ذوات الحروف لامن أسامئها ، وذلك يقتضى كثرة وقوع صور الحروف
في الخط واعتياد الكاتب بها دون صور أساميها ، وانضم إلى ذلك أنها استمرت العادة بأنه إذا أريد أن يؤمر بتصوير
ذوات الحروف تتهجى : أي بعدد تلك الحروف بأساميها فيقال له مثلا اكتب ألف أبا تا فيكتب هكذا أب ت
فتقع في التلفظ الأسماء وفى الكتابة الحروف أنفسها فتكتب ، فكأنه لما قيل لكاتب الفواتح اكتب ألف لام ميم
مثلا عمل على تلك الطريقة المألوفة فصور ذوات الحروف على ما هو قاعدة التأليف ، وعلى هذا ضمير تهجيت
راجع إلى الحروف ، وقد بتوهم رجوعه إلى الكم : أي عددت حروفها بأسمائها ، والمعنى : أنه إذا أريد أن يؤمر
بتصوير الكلم بتهجي حروفها على الترتيب فيقال في الأمر بتصوير ضرب مثلا اكتب ضاد راء باء فيكتب هكذا
ضرب ، وفيه أنه لا تصح حينئذ دعوى استمرار العادة بذلك ، فإن التلفظ بأنفس الكلم في الأمر بكتابتها أكثر من
أن تتهجى حروفها ( قوله ومتى قيل للكاتب ) عطف يجرى مجرى التفسير لقوله متى تهجيت وكيت وكيت كتابة
عن الحروف ، وإن يلفظ متعلق باستمرت وعمل جواب لما وهو مسند إلى الظرف الذي بعده والشاكلة الطريق
والجهة ( قوله وأيضا ) إشارة إلى الوجه الثاني ، وحاصله أنه اختير في كتابة الفواتح ما هو أخف وأخصر ، أعني
صور الحروف أمنا من الإلباس إذا لا شبهة أن المتلفظ في أوائل تلك السور هي الأسامي دون الحروف ، والسبب
في عدم الاشتباه أمور : الأول شهرة أمر الفواتح بإقامة ألسن العرب والعجم لها . الثاني أن التلفظ في الفواتح
بالحروف أنفسها لابأاميها عار عن الفائدة ، فإن حروف المباني لا معاني لها أصلا بخلاف أسمائها . لا يقال : ربما
يعتبر من تلك الحروف في الفواتح ألفاظ مستعملة كألم في ألم وحم في حم . لأنا نقول : المقصود الأمن من وقوع
الليس بذات الحروف لتقاربهما أي الحروف وأساميها إلا بكلم مركب منها فإنه مستبعد جدا ، ولو حمل على
الأمن من الإلباس مطلقا لقيل التلفظ بالفواتح لا على وجه تعديد حروفها المكتوبة بأساميها لا يشتمل على كبير
فائدة ، إذ لا يحصل منها ألفاظ تفيد بنفسها معاني يعتد بها . الثالث أن بعض الفواتح مفرد لا يخطر ببال أحد غير
مورده ، وهو أن يتلفظ باسم الحروف كصاد وقاف ونون . ولما كانت الفواتح من باب واحد لم يبق اشتباه
أيضا في الباقي ، وإنما خص المفردات بعدم الإخطار ، إذ لا يتوهم منها ألفاظ موضوعة لمعنى كما في بعض المركبات ،
ولو كانت ق مثلا أمرا من الوقاية لكتبت بالهاء ، فقوله وإقامة عطف على شهرة تجرى مجرى التفسير لها ( قوله وإن
اللافظ بها وإن بعضها ) عطف على اسم إن ، ويجوز عطف أن المفتوحة مع ما في حيزها على اسم إن المكسورة وإن لم
الحاشية على الكشاف — صفحة 94
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص٩٤