الاستواء في علم المستفهم مقصود منهما ، كيف وهما بعد التجريد لا يقعان المستفهم . وقيل أراد به أن
الاستواء الذي جردتا له هو استواؤهما في علم المستفهم عند استعمالهما في الاستفهام ، وههنا قد ذهب الاستفهام
ونفى الاستواء في العلم ، وهذا أقرب إلى الحقيقة وأليق بقولهم جردتا لمعنى الاستواء منسلخا عنهما معنى الاستفهام ،
لاقتضائه أن يكون المراد بهما هو الاستواء الذي كان مع الاستفهام ، وإلا لم يكن تجريدا عن مجرد الاستفهام ،
فالمستفاد منهما هو الاستواء في علم المستفهم والمستفاد من سواء هو الاستواء فيما سيق له الكلام ، كأنه قيل :
المستويان في علمك مستويان في عدم الجدوى ، وهذا ما نقل عن المصنف من أن معناه ، ما استوى فيه علمك حتى
اشتغلت به مستو في عدم التأثير ، كأنه سأل ربه أأنظرتهم أم لا ؟ فقيل له ذلك ، ومحصول هذا المنقول أن هناك
سؤالا مقدرا أوقع هذا الكلام عقيبه فأشير إلى الاستواء في علم ذلك المستفهم . وحكى بعض المحققين عن أبي على
أن الفعلين مع الحرفين في تأويل اسمين بينهما واو العطف ، لأن ما بعد كلمتي الاستفهام مثل قولك أقمت أم
قعدت متساويان في علم المستفهم ، فإذا قيل سواء على أقمت فقد أقيمتا مع ما بعدهما مقام المستويين
وهما قيامك وقعودك ، كما أقيم لفظ النداء مقام الاختصاص ، وعلى هذا يكون الواقع موقع الفاعل أو المبتدأ
مجموع الفعلين مع الحرفين ، ثم اختار أن سواء في مثله خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمران سواء على ، ثم بين
الأمرين بقوله أقمت أم قعدت ، وهذان الفعلان في معنى الشرط ، والجملة الاسمية السابقة دالة على جوابه : أي
إن قمت أو قعدت فالأمر ان سواء على : ألا ترى أن الماضي المذكور في مثله يفيد معنى المستقبل وما ذاك إلا
لتضمنه معنى الشرط ، ولذلك استهجن الأخفش على ما حكى عنه أبو علي في الحجة أن يقع بعدهما الابتدائية وأما
قوله تعالى - سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون - فلتقدم الفعلية وإلا لم يجز ، واستقبح أيضا وقوع المضارع
بعدهما وذلك لأن إفادة الماضي معنى الاستقبال أدل على إرادة معنى الشرط ، ويؤيده أن ما جاء في التنزيل من
هذا القبيل جاء على صيغة الماضي ، وإنما أفادت الهمزة فائدة إن الشرطية لأن كلمة إن تستعمل في الأغلب في أمر
مفروض مجهول الوقوع ، وكذلك حرف الاستفهام يستعمل فيما لم يتيقن حصوله فجاز مقامها مجردة عن
الحاشية على الكشاف — صفحة 153
مساهمون: علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني
ص١٥٣