تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل . ألم يجعل كيدهم في تضليل . وأرسل عليهم طيرا أبابيل . ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول .
شرح
لا هم إن المرء يمنع * أهله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم أبدا محالك إن كنت تاركهم وكعبتنا * فأمر ما بدا لك يا رب لا أرجو لهم سواك * يا رب فامنع منهم حماكا فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال : والله إنها لطير غريبة ما هي ببحرية ( 1 ) ولا تهامية . وفيه أن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور وكان سبب يساره . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سئل عن الطير فقال : حمام مكة منها . وقيل جاءت عشية ثم صبحتهم . وعن عكرمة : من أصابته جدرته وهو أول جدري ظهر . قرئ ألم تر بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم ، والمعنى : أنك رأيت آثار فعل الله بالحبشة وسمعت الأخبار به متواترة فقامت لك مقام المشاهدة ، و ( كيف ) في موضع نصب بفعل ربك لا بألم تر لما في كيف من معنى الاستفهام ( في تضليل ) في تضييع وإبطال ، يقال ضلل كيده إذا جعله ضالا ضائعا ، ومنه قوله تعالى - وما كيد الكافرين إلا في ضلال - وقيل لامرئ القيس الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه : أي ضيعه : يعني أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، وكادوه ثانيا بإرادة هدمه فضلل بإرسال الطير عليهم ( أبابيل ) حزائق الواحدة إبالة ، وفي أمثالهم : ضغث على إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت الحزقة من الطير في تضامنها بالإبالة . وقيل أبابيل مثل عباديد وشماطيط لا واحد لها . وقرأ أبو حنيفة رحمه الله يرميهم : أي الله تعالى أو الطير لأنه اسم جمع مذكر ، وإنما يؤنث على المعنى . وسجيل كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن سجينا علم لديوان أعمالهم كأنه قيل : بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون ، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال لأن العذاب موصوف بذلك - وأرسل عليهم طيرا - فأرسلنا عليهم الطوفان - وعن ابن عباس رضي الله عنهما : من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر ، وقيل هو معرب من سنككل ، وقيل من شديد عذابه ، ورووا بيت ابن مقبل : * ضربا تواصت به الأبطال سجيلا * وإنما هو سجينا ، والقصيدة نونية مشهورة في ديوانه . وشبهوا بورق الزرع إذا أكل : أي وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود ، أو بتبن أكلته الدواب وراثته ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن كقوله - كانا يأكلان الطعام - أو أريد أكل حبه فبقى صفرا منه . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ " .
هامش
( 1 ) ( قوله ببحرية ) في أبي السعود بنجدية وهو الموافق ، كتبه مصححه .