تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
شرح
أو قدام ، ومن لابتداء الغاية وأن المناداة نشأت من ذلك المكان . فإن قلت : أفرق بين الكلامين بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه . قلت : الفرق بينهما أن المنادى والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء ، وفى الثاني لا يجوز لأن الوراء تصغير بدخول من مبتدأ الغاية ، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنهى لفعل واحد ، والذي يقول ناداني فلان من وراء الدار لا يريد وجه الدار ولا دبرها ، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقا بغير تعيين واختصاص ، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها ، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض من غير قصد إلى جهة دون جهة ، والحجرة : الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها ، وحظيره الإبل تسمى الحجرة وهى فعلة بمعنى مفعولة كالغرفة والقبضة وجمعها الحجرات بضمتين والحجرات بفتح الجيم والحجرات بتسكينها ، وقرئ بهن جميعا ، والمراد حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت لكل واحدة منهن حجرة ، ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على الحجرات متطلبين له ، فناداه بعض من وراء هذه وبعض من وراء تلك ، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها ، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها ولكنها جمعت إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكان حرمته ، والفعل وإن كان مسندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم ، وكان الباقون راضين فكأنهم تولوه جميعا ، فقد ذكر الأصم أن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون يحتمل أن يكون فيهم من قصد بالمحاشاة ، ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدا إلى نفى أن يكون فيهم من يعقل فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم . وروى " أن وفد بنى تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد ، فجعلوا ينادونه يا محمد اخرج إلينا فاستيقظ فخرج ونزلت " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فقال " هم جفاة بنى تميم ، لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم " فورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى عن الناظر من بينات إكبار محل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله : منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به بالسفه والجهل لما أقدموا عليه ، ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه ، ومنها المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر عليهم ، ومنها التعريف باللام دون الإضافة ، ومنها أن شفع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات تهوينا للخطب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له وإماطة لما تداخله من إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم وهلم جرا من أول السورة إلى آخرها
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 558 | الزمخشري