قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في
الجنة وفريق في السعير * ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء
في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير * أم اتخذوا من دونه أولياء
فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير * وما اختلفتم فيه من
شئ فحكمه إلى الله
شرح
الآية قبلها من أن الله تعالى هو الرقيب عليهم وما أنت برقيب عليهم ولكن نذير لهم ، لأن هذا المعنى كرره الله في
كتابه في مواضع جمة ، والكاف مفعول به لأوحينا ، و ( قرآنا عربيا ) حال من المفعول به : أي أوحيناه إليك
وهو قرآن عربي بين لالبس فيه عليك لتفهم ما يقال لك ولا تتجاوز حد الإنذار . ويجوز أن يكون ذلك إشارة
إلى مصدر أوحينا : أي ومثل ذلك الإيحاء البين المفهم أوحينا إليك قرآنا عربيا بلسانك ( لتنذر ) يقال أنذرته كذا
وأنذرته بكذا ، وقد عدى الأول : أعني لتنذر أم القرى إلى المفعول الأول والثاني وهو قوله - وتنذر يوم الجمع -
إلى المفعول الثاني ( أم القرى ) أهل أم القرى كقوله تعالى - واسئل القرية - ( ومن حولها ) من العرب . وقرئ
لينذر بالياء والفعل للقرآن ( يوم الجمع ) يوم القيامة لأن الخلائق تجمع فيه قال الله تعالى - يوم يجمعكم ليوم الجمع -
وقيل يجمع بين الأرواح والأجساد ، وقيل يجمع بين كل عامل وعمله ، و ( لا ريب فيه ) اعتراض لا محل له .
قرئ فريق وفريقا بالرفع والنصب ، فالرفع على منهم فريق ومنهم فريق ، والضمير للمجموعين لأن المعنى يوم
جمع الخلائق ، والنصب على الحال منهم : أي متفرقين كقوله تعالى - ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون - فإن قلت :
كيف يكونون مجموعين متفرقين في حالة واحدة ؟ قلت : هم مجموعون في ذلك اليوم مع افتراقهم في داري البؤس
والنعيم كما يجتمع الناس يوم الجمعة متفرقين في مسجدين ، وإن أريد بالجمع جمعهم في الموقف فالتفرق على معنى
مشارفتهم للتفرق ( لجعلهم أمة واحدة ) أي مؤمنين كلهم على القسر والإكراه كقوله تعالى - ولو شئنا لآتينا كل
نفس هداها - وقوله تعالى - ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا - والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى
الإيمان قوله - أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين - وقوله تعالى - أفأنت تكره - بإدخال همزة الإنكار على
المكره دون فعله دليل على أن الله وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره ، والمعنى : ولو شاء ربك مشيئة
قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان ، ولكنه شاء مشيئة حكمة فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في
رحمته وهم المرادون بمن يشاء : ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين ويترك الظالمين بغير ولى ولا نصير في عذابه
معنى الهمزة في ( أم ) الإنكار ( فالله هو الولي ) هو الذي يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد ، فالفاء
في قوله - فالله هو الولي - جواب شرط مقدر كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي
بالحق لا ولى سواه ( وهو يحيى ) أي ومن شأن هذا الولي أنه يحيى ( الموتى وهو على كل شئ قدير ) فهو الحقيق
بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شئ ( وما اختلفتم فيه من شئ ) حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
للمؤمنين : أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين ،