* أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون
* كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * فأذاقهم الله الخزي
في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * ولقد ضربنا للناس في
هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون
شرح
هدى الله : أي أثر هداه وهو لطفه فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى يهدى به بهذا الأثر من يشاء من عباده : يعنى
من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين ، فكان ذلك مرغبا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم . ومن يضلل
الله : ومن لم تؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره فما له من هاد من مؤثر فيه بشئ قط . يقال اتقاه
بدرقته : استقبله بها فوقى بها نفسه إياه واتقاه بيده ، وتقديره ( أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب ) كمن أمن العذاب
فحذف الخبر كما حذف في نظائره ، وسوء العذاب شدته ، ومعناه : أن الإنسان إذا لقى مخوفا من المخاوف استقبله
بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه ، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن
يتقى النار إلا بوجهه الذي كان يتقى المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه . وقيل المراد بالوجه الجملة ، وقيل نزلت
في أبى جهل . وقال لهم خزنة النار ( ذوقوا ) وبال ( ما كنتم تكسبون - من حيث لا يشعرون ) من الجهة التي لا يحتسبون
ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بيناهم آمنون رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم . والخزي : الذل والصغار كالمسخ
والخسف والقتل والجلاء وما أشبه ذلك من نكال الله ( قرآنا عربيا ) حال مؤكدة كقولك : جاءني زيد رجلا
صالحا وإنسانا عاقلا . ويجوز أن ينتصب على المدح ( غير ذي عوج ) مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف . فإن
قلت : فهلا قيل مستقيما أو غير معوج ؟ قلت : فيه فائدتان : إحداهما نفى أن يكون فيه عوج قط كما قال - ولم
يجعل له عوجا - والثانية أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان . وقيل المراد بالعوج الشك واللبس وأنشد :
وقد أتاك يقين غير ذي عوج * من الإله وقول غير مكذوب
واضرب لقومك مثلا وقل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع
كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى ومشادة ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه
فهو متحير في أمره سادر قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره لا يدري أيهم يرضى بخدمته وعلى أيهم يعتمد في
حاجاته ، وفي آخر قد سلم لمالك واحد وخلص له فهو معتنق لما لزمه من خدمته معتمد على فيما يصلحه ، فهمه
واحد وقلبه مجتمع أي هذين العبدين أحسن حالا وأجمل شأنا ، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى وما يلزمه على