* قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه
قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا
ذلك هو الخسران المبين * لهم من فوقهم ظلل من النار
ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون
* والذين اجتنبوا الطاغوت
شرح
وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شئ والأمر به ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شئ ، وإذا اختلف
وجها الشئ وصفتاه ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ، ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت لأن أفعل ولا
تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه ، كما عوض السين
في اسطاع عوضا من ترك الأصل الذي هو أطوع ، والدليل على هذا الوجه محبيئه بغير لام في قوله - وأمرت أن
أكون من المسلمين ، وأمرت أن أكون من المؤمنين ، وأمرت أن أكون أول من أسلم - وفي معناه أوجه ، أن أكون أول
من أسلم في زماني ومن قومي لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها ، وأن أكون أول
الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاما ، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره لأكون مقتدى بي
في قولي وفعلى جميعا ، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، وأن أفعل ما أستحق به الأولية
من أعمال السابقين دلالة على السبب بالمسبب : يعنى أن الله أمرني أن أخلص له الدين من الشرك والرياء وكل
شوب بدليلي العقل والوحي . فإن عصيت ربى بمخالفة الدليلين استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم وذلك
حين دعوه إلى دين آبائه . فإن قلت : ما معنى التكرير في قوله - قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين - وقوله
( قل الله أعبد مخلصا له ديني ) ؟ قلت : ليس بتكرير لأن الأولى إخبار بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة
والإخلاص ، والثاني إخبار بأنه يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه ، ولدلالته على ذلك قدم المعبود
على فعل العبادة وأخره في الأول ، فالكلام أولا واقع في الفعل نفسه وإيجاده ، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله
ولذلك رتب عليه قوله ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير : المبالغة في الخذلان
والتخلية لعى ما حققت فيه القول مرتين . قل إن الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه هم ( الذين خسروا
أنفسهم ) لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها ( و ) خسروا ( أهليهم ) لأنهم كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما
خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل في الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده إليهم . وقيل وخسروهم لأنهم
لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في الجنة : يعنى وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا ، ولقد
وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف
التنبيه ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين ( ومن تحتهم ) أطباق من النار هي ( ظلل )
لآخرين ( ذلك ) العذاب هو الذي يتوعد الله ( به عباده ) ويخوفهم ليجتنبوا ما يوقعهم فيه ( يا عباد فاتقون ) ولا
تتعرضوا لما يوجب سخطي ، وهذه عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة . وقرئ يا عبادي ( الطاغوت ) فعلوت من
الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكونها مصدرا