سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء
وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده
شرح
ما بين الثلاث إلى العشر عن الأصمعي . وقيل احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى فغلبت فارس الروم ،
فبلغ الخبر مكة فشق على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لان فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل الكتاب ،
وفرح المشركون وشمتوا وقالوا : أنتم والنصارى أهل الكتاب ، ونحن وفارس أميون ، وقد ظهر إخواننا على
إخوانكم ولنظهرن نحن عليكم فنزلت ، فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه : لا يقرر الله أعينكم فوالله لتظهرن الروم
على فارس بعد بضع سنين ، فقال له أبي بن خلف : كذبت يا أبا فصيل اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه والمناحبة
المراهنة ، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الاجل ثلاث سنين ، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادة في الاجل ، فجعلاها
مائة قلوص إلى تسع سنين ، ومات أبى من جرح رسول الله وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك عند
رأس سبع سنين . وقيل كان النصر يوم بدر للفريقين ، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال تصدق به . وهذه الآية من الآيات البينة الشاهدة على صحة النبوة وأن القرآن من عند الله ،
لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله . وقرئ غلبهم بسكون اللام والغلب والغلب مصدران كالجلب
والجلب ، والحلب والحلب . وقرئ غلبت الروم بالفتح وسيغلبون بالضم ، ومعناه : أن الروم غلبوا على ريف
الشأم وسيغلبهم المسلمون في بضع سنين ، وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم ، وإضافة غلبهم
تختلف باختلاف القراءتين ، فهي في إحداهما إضافة المصدر إلى المفعول ، وفي الثانية إضافته إلى الفاعل ومثالهما
- محرم عليكم إخراجهم ، ولن يخلف الله وعده - فإن قلت : كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار ؟ قلت : عن
قتادة رحمه الله أنه كان ذلك قبل تحريم القمار . ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد أن العقود الفاسدة من عقود الربا
وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار ، وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبي بن
خلف ( من قبل ومن بعد ) أي في أول الوقتين ، وفي آخرهما حين غلبوا وحين يغلبون ، كأنه قيل من قبل كونهم
غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين : يعني أن كونهم مغلوبين
أولا وغالبين آخر ليس إلا بأمر الله وقضائه - وتلك الأيام نداولها بين الناس - وقرئ من قبل ومن بعد على الجر
من غير تقدير مضاف إليه واقتطاعه كأنه قيل قبلا وبعدا بمعنى أولا وآخرا ( ويومئذ ) ويوم تغلب الروم على فارس
ويحل ما وعده الله عز وجل من غلبتهم ( يفرح المؤمنون بنصر الله ) وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له وغيظ
من شمت بهم من كفار مكة . وقيل نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم .
وقيل نصر الله أنه ولى بعض الظالمين بعضا وفرق بين كلمهم حتى تفانوا وتناقصوا وفل هؤلاء شوكة هؤلاء ، وفي ذلك
قوة للاسلام . وعن أبي سعيد الخدري : وافق ذلك يوم بدر ، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون ( وهو العزيز الرحيم ) ينصر
عليكم تارة وينصركم أخرى ( وعد الله ) مصدر مؤكد كقولك لك على ألف درهم عرفا لان معناه أعترف لك بها اعترافا ،
ووعد الله ذلك وعدا لان ما سبقه في معنى وعد ذمهم الله عز وجل بأنهم عقلاء في أمور الدنيا بله في أمر الدين ، وذلك