الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير . له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو
الغنى الحميد . ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجرى في البحر بأمره
ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم . وهو
الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور . لكل أمة جعلنا منسكا
هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم .
شرح
بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجرى فيهما وإدراك كل قول وفعل بسبب أنه الله الحق الثابت إلهيته ، وأن كل
ما يدعى إلها دونه باطل الدعوة ، وأنه لا شئ أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا . قرئ ( مخضرة ) أي ذات خضر على
مفعلة كمقبلة ومسبعة . فإن قلت : هلا قيل فأصبحت ولم صرف إلى لفظ المضارع . قلت : لنكتة فيه وهى إفادة
بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان كما تقول : أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له ، ولو قلت فرحت
وغدوت لم يقع ذلك الموقع . فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ قلت : لو نصب لأعطى ما هو
عكس الغرض ، لان معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار ، مثاله أن تقول لصاحبك : ألم
تر أنى أنعمت عليك فتشكر ، إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر ، وهذا
وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الاعراب وتوقير أهله ( لطيف ) واصل علمه أو فضله إلى كل
شئ ( خبير ) بمصالح الخلق ومنافعهم ( ما في الأرض ) من البهائم مذللة للركوب في البر ، ومن المراكب جارية
في البحر وغير ذلك من سائر المسخرات . وقرئ ( والفلك ) بالرفع على الابتداء ( أن تقع ) كراهة أن تقع ( إلا )
بمشيئته ( أحياكم ) بعد أن كنتم جمادا ترابا ونطفة وعلقة ومضغة ( لكفور ) لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم
هو نهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك ، أو هو زجر لهم عن
التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنازعة في الدين ، وهم جهال لا علم عندهم وهم كفار خزاعة . روى أن
بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين : مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله
الله ؟ يعنون الميتة . وقال الزجاج : هو نهى له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم كما تقول : لا يضاربنك فلان :
أي لا تضار به ، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين ( في الامر ) في أمر الدين ، وقيل في أمر النسائك .
وقرئ فلا ينزعنك : أي أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه ، والمراد زيادة التثبيت للنبي صلى
الله عليه وسلم بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله ولدينه ، ومنه قوله - ولا يصدنك عن آيات الله - ولا تكونن من
المشركين - فلا تكونن ظهيرا للكافرين - وهيهات أن ترتع همة رسول الله صلى الله عليه وسلم حول ذلك الحمى ،
ولكنه وارد على ما قلت لك من إرادة التهييج والالهاب . وقال الزجاج : هو من نازعته فنزعته أنزعه : أي غلبته :
أي لا يغلبنك في المنازعة . فإن قلت : لم جاءت نظيرة هذه الآية معطوفة بالواو وقد نزعت عن هذه ؟ قلت : لان
تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الاى الواردة في أمر النسائك فعطفت على أخواتها ، وأما هذه فواقعة مع
أباعد عن معناها فلم تجد معطفا : أي وإن أبوا للجاجهم إلا المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع ،