تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري . فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا . ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري . قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى . قال يا هارون ما منعك إذا رأيتهم ضلوا . ألا تتبعن أفعصيت أمري . قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني
شرح
زماني بسبب مفارقتك ، وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل ( بملكنا ) قرئ بالحركات الثلاث : أي ما أخلقنا موعدك بأن ملكنا أمرنا : أي لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده : أي حملنا أحمالا من حلى القبط التي استعرناها منهم ، أو أراد بالأوزار أنها آثام وتبعات لأنهم كانوا في حكم المستأمنين في دار الحرب وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي ، على أن الغنائم لم تكن تحل حينئذ ( فقذفناها ) في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلى وقرئ حملنا ( فكذلك ألقى السامري ) أراهم أنه يلقى حليا في يده مثل ما ألقوا ، وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ حيزوم فرس جبريل أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيوانا ( فأخرج لهم ) السامري من الحفرة عجلا خلقه الله من الحلى التي سبكتها النار يخور كما تخور العجاجيل . فإن قلت : كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات ؟ قلت : أما يصح أن يؤثر الله سبحانه روح القدس بهذه الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من الكرامات ، وهى أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جمادا أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيوانا ، ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع . فإن قلت : فلم خلق الله العجل من الحلى حتى صار فتنة لبني إسرائيل وضلالا ؟ قلت : ليس بأول محنة محن الله بها عباده ليثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ، ومن عجب من خلق العجل فليكن من خلق إبليس أعجب . والمراد بقوله - إنا قد فتنا قومك - هو خلق العجل للامتحان : أي امتحناهم بخلق العجل ، وحملهم السامري على الضلال وأوقعهم فيه حين قال لهم ( هذا إلهكم وإله موسى فنسى ) أي فنسى موسى أن يطلبه ههنا وذهب يطلبه عند الطور أو فنسى السامري : أي ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر ( يرجع ) من رفعه فعلى أن أن مخففة من الثقيلة ، ومن نصب فعلى أنها الناصبة للأفعال ( من قبل ) من قبل أن يقول لهم السامري ما قال : كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به واستحسنوه ، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون عليه السلام بقوله ( إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ) . لا مزيدة ، والمعنى : ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر والمعاصي : هلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لم تباشر الأمر كما كنت أبا شره أنا لو كنت شاهدا أو مالك تلحقني قرئ ( بلحيتي ) بفتح اللام وهى لغة أهل الحجاز كان موسى صلوات الله عليه رجلا حديدا مجبولا على الحدة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 550 | الزمخشري