قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى . إنا قد أوحى إلينا أن العذاب
على من كذب وتولى . قال فمن ربكما يا موسى ؟ قال ربنا الذي أعطى كل شئ
خلقه ثم هدى . قال فما بال القرون الأولى . قال علمها عند ربى في كتاب لا يضل
ربى ولا ينسى .
شرح
كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وصحت النصرة وذهبت المبالاة بالعدو ، كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون
والقبط يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة من الحفر والبناء ونقل الحجارة والسخرة في كل شئ مع قتل الولدان
واستخدام النساء ( قد جئناك بآية من ربك ) جملة جارية من الجملة الأولى - وهى إنا رسولا ربك - مجرى البيان
والتفسير ، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي المجئ بالآية ، إنما وحد قوله بآية ولم يثن ومعه آيتان لأن
المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها فكأنه قال : قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من
الرسالة ، وكذلك - قد جئتكم ببينة من ربكم - فأت بآية إن كنت من الصادقين - أولو جئتك بشئ مبين - يريد
وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين . خاطب الاثنين ووجه
النداء إلى أحدهما وهو موسى لأنه الأصل في النبوة وهارون وزيره وتابعه ، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على
استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى ويدل عليه قوله - أم أنا
خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين - ( خلقه ) أول مفعولي أعطى : أي أعطى خليقته كل شئ يحتاجون
إليه ويرتفقون به أو ثانيهما : أي أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين
الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي هو يوافق الاستماع ، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل
واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه ، أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل
الحصان والحجر زوجين والبعير والناقة والرجل والمرأة ، فلم يزاوج منها شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه .
وقرئ خلقه صفة للمضاف أو للمضاف إليه : أي كل شئ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه ( ثم هدى ) أي
عرف كيف يرتفق بما أعطى وكيف يتوصل إليه ، ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن
ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق . سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون وعن شقاء من شقى منهم وسعادة
من سعد ، ، فأجابه بأن هذا سؤال عن الغيب ، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه
إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ ، لا يجوز على الله أن
يخطئ شيئا أو ينساه . يقال ضللت الشئ إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له كقولك ضللت الطريق والمنزل . وقرئ