تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى . إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى . قال فمن ربكما يا موسى ؟ قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى . قال فما بال القرون الأولى . قال علمها عند ربى في كتاب لا يضل ربى ولا ينسى .
شرح
كان الحافظ والناصر كذلك تم الحفظ وصحت النصرة وذهبت المبالاة بالعدو ، كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون والقبط يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة من الحفر والبناء ونقل الحجارة والسخرة في كل شئ مع قتل الولدان واستخدام النساء ( قد جئناك بآية من ربك ) جملة جارية من الجملة الأولى - وهى إنا رسولا ربك - مجرى البيان والتفسير ، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي المجئ بالآية ، إنما وحد قوله بآية ولم يثن ومعه آيتان لأن المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها فكأنه قال : قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة ، وكذلك - قد جئتكم ببينة من ربكم - فأت بآية إن كنت من الصادقين - أولو جئتك بشئ مبين - يريد وسلام الملائكة الذين هم خزنة الجنة على المهتدين وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين . خاطب الاثنين ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى لأنه الأصل في النبوة وهارون وزيره وتابعه ، ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه لما عرف من فصاحة هارون والرتة في لسان موسى ويدل عليه قوله - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين - ( خلقه ) أول مفعولي أعطى : أي أعطى خليقته كل شئ يحتاجون إليه ويرتفقون به أو ثانيهما : أي أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار والأذن الشكل الذي هو يوافق الاستماع ، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه ، أو أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة حيث جعل الحصان والحجر زوجين والبعير والناقة والرجل والمرأة ، فلم يزاوج منها شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه . وقرئ خلقه صفة للمضاف أو للمضاف إليه : أي كل شئ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه ( ثم هدى ) أي عرف كيف يرتفق بما أعطى وكيف يتوصل إليه ، ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق . سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون وعن شقاء من شقى منهم وسعادة من سعد ، ، فأجابه بأن هذا سؤال عن الغيب ، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا هو وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب ، وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ ، لا يجوز على الله أن يخطئ شيئا أو ينساه . يقال ضللت الشئ إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له كقولك ضللت الطريق والمنزل . وقرئ