إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير
منهم ساء ما يعملون . يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل
فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين .
شرح
إليهم ) من سائر كتب الله لأنهم مكلفون الايمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم . وقيل هو القرآن لوسع الله عليهم
الرزق وكانوا قد قحطوا وقوله ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) عبارة عن التوسعة وفيه ثلاثة أوجه :
أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض ، وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة ، وأن يرزقهم
الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم
( منهم أمة مقتصدة ) طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل هي الطائفة المؤمنة عبد الله
ابن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى ، و ( ساء ما يعملون ) فيه معنى التعجب كأنه قيل : وكثير
منهم ما أسوأ عملهم ، وقيل هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم ( بلغ ما أنزل إليك ) جميع ما أنزل إليك وأي
شئ أنزل إليك غير مراقب في تبليغه أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه ( وإن لم تفعل ) وإن لم تبلغ جميعه كما
أمرتك ( فما بلغت رسالته ) وقرئ رسالاته فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالات ولم تؤد منها شيئا قط ، وذلك
أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض وإن لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا ، كما أن من لم يؤمن ببعضها
كان كمن لم يؤمن بكلها لادلاء كل منها بما يدليه غيرها ، وكونها كذلك في حكم شئ واحد ، والشئ الواحد
لا يكون مبلغا غير مبلغ مؤمنا به غير مؤمن به . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعا ، فأوحى الله إلي إن لم تبلغ
رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت ) . فإن قلت : وقوع قوله : فما بلغت رسالاته جزاء للشرط ما وجه
صحته ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبليغ الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولا
كان أمرا شنيعا لاخفاء بشناعته ، فقيل إن لم تبلغ منها أدنى شئ وإن كان كلمة واحدة فأنت كمن ركب الامر
الشنيع الذي هو كتمان كلها كما عظم قتل النفس بقوله - فكأنما قتل الناس جميعا - والثاني أن يراد . فإن لم تفعل فلك
ما يوجبه كتمان الوحي كله من العقاب ، فوضع السبب موضع المسبب ، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام
( فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك ) ( والله يعصمك ) عدة من الله بالحفظ والكلاء . والمعنى : والله