دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ، واتقوا الله إن
كنتم مؤمنين . وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم
لا يعقلون . قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما
أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون .
شرح
يقيمون ، أو النصب على المدح ، وفيه تمييز للخلص من الذين آمنوا نفاقا أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم
مفرطون في العمل ( وهم راكعون ) الواو فيه للحال : أي يعملون ذلك في حال الركوع وهو الخشوع والاخبات
والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا ، وقيل هو حال من يؤتون الزكاة بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة ،
وأنها نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مرجا في
خنصره ، فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته . فإن قلت : كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه
واللفظ لفظ جماعة ؟ قلت : جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله
فينالوا مثل ثوابه ، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والاحسان
وتفقد الفقراء ، حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخروه إلى الفرغ منها ( فإن حزب الله ) من
إقامة الظاهر مقام المضمر . ومعناه : فإنهم هم الغالبون ولكنهم بذلك جعلوا أعلاما لكونهم حزب الله ، وأصل
الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم ، ويحتمل أن يريد بحزب الله الرسول والمؤمنين ، ويكون المعنى : ومن يتولهم
فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب . روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث كانا قد أظهرا الاسلام ثم
نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت : يعني أن اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم
إياهم أولياء بل يقابل ذلك بالبغضاء والشنآن والمنابذة . وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار وإن كان أهل
الكتاب من الكفار إطلاقا للكفار على المشركين خاصة ، والدليل عليه قراءة عبد الله : ومن الذين أشركوا . وقرئ
والكفار بالنصب والجر ، وتعضد قراءة الجر قراءة أبي ( ومن الكفار ) ( واتقوا الله ) في موالاة الكفار وغيرها ( إن
كنتم مؤمنين ) حقا لان الايمان حقا يأبى موالاة أعداء الدين ( اتخذوها ) الضمير للصلاة أو للمناداة . قيل كان
رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله قال : حرق الكاذب ، فدخلت خادمه
بنار ذات ليلة وهو نائم فتطايرت منها شررة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله . وقيل فيه دليل على
ثبوت الاذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده ( لا يعقلون ) لان لعبهم وهزءهم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنه
لا عقل لهم . قرأ الحسن هل تنقمون بفتح القاف والفصيح كسرها ، والمعنى : هل تعيبون منا وتنكرون إلا الايمان
بالكتب المنزلة كلها ( وأن أكثركم فاسقون ) . فإن قلت : علام عطف قوله وأن أكثركم فاسقون ؟ قلت : فيه
وجوه منها أن يعطف على أن آمنا بمعنى وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الايمان ،
كأنه قيل : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الاسلام وأنتم خارجون منه ، ويجوز أن يكون على
تقدير حذف المضاف : أي واعتقاد أنكم فاسقون ، ومنها أن يعطف على المجرور : أي وما تنقمون منا إلا
الايمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون ، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع : أي وما تنقمون منا إلا الايمان