صلبوه ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، مالهم به من علم
إلا اتباع الظن ، وما قتلوه يقينا . بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزا حكيما . وإن من
أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا .
شرح
بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى . ثم اختلفوا فقال
بعضهم : إنه إله لا يصح قتله ، وقال بعضهم : إنه قد قتل وصلب ، وقال بعضهم : إن كان هذا عيسى فأين
صاحبنا ؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ وقال بعضهم : رفع إلى السماء وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى
والبدن بدن صاحبنا . فإن قلت : ( شبه ) مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فالمسيح مشبه به وليس بمشبه
وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر ؟ قلت : هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ( لهم ) كقولك خيل إليه كأنه
قيل ولكن وقع لهم التشبيه ، ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول لان قوله إنا قتلنا يدل عليه كأنه قيل ولكن شبه لهم
من قتلوه ( إلا اتباع الظن ) استثناء منقطع لان اتباع الظن ليس من جنس العلم : يعني ولكنهم يتبعون الظن . فإن
قلت : قد وصفوا بالشك ، والشك أن لا يترجح أحد الجائزين ، ثم وصفوا بالظن ، والظن أن يترجح أحدهما ،
فكيف يكونون شاكين ظانين ؟ قلت : أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا
فذاك ( وما قتلوه يقينا ) وما قتلوه قتلا يقينا ، أو ما قتلوا متيقنين كما ادعوا ذلك في قولهم إنا قتلنا المسيح أو
يجعل يقينا تأكيدا لقوله وما قتلوه كقولك ما قتلوه حقا : أي حق انتفاء قتله حقا ، وقيل هو من قولهم قتلت الشئ
علما ونحرته علما إذا تبالغ فيه علمك ، وفيه تهكم لأنه إذا نفى عنهم العلم نفيا كليا بحرف الاستغراق ثم قيل وما
علموه عليم اليقين وإحاطة لم يكن إلا تهكما بهم ( ليؤمنن به ) جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره :
وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، ونحوه - وما منا إلا له مقام معلوم - وإن منكم إلا واردها - والمعنى :
وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله : يعني إذا عاين قبل أن تزهق
روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف . وعن شهر بن حوشب قال لي الحجاج : آية ما قرأتها الا تخالج
في نفسي شئ منها : يعني هذه الآية ، وقال : إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه