ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، واتخذ
الله إبراهيم خليلا .
شرح
الصالحات لان كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه ،
وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال . والثانية لتبيين الابهام
في ( من يعمل ) . فإن قلت : كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك ؟ قلت : فيه وجهان :
أحدهما أن يكون الراجع في ولا يظلمون لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا . والثاني أن يكون ذكره عند أحد
الفريقين دالا على ذكره عند الآخر ، لان كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم ، ولان ظلم المسئ أن
يزاد في عقابه ، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم فكأن ذكره مستغنى عنه ، وأما المحسن فله ثواب
وتوابع للثواب من فضل الله في حكم الثواب ، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب ، فكان نفي الظلم
دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل ( أسلم وجهه لله ) أخلص نفسه لله وجعلها سالمة لا تعرف لها ربا ولا معبودا
سواه ( وهو محسن ) وهو عامل للحسنات تارك للسيئات ( حنيفا ) حال من المتبع أو من إبراهيم كقوله - بل ملة
إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين - وهو الذي تحنف أي مال عن الأديان كلها إلى دين الاسلام ( واتخذ الله
إبراهيم خليلا ) مجازا عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله ، والخليل المخال وهو الذي
يخالك : أي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل ، أو يسد خللك كما تسة خلله ،
أو يداخلك خلال منازلك وحجبك . فإن قلت : ما موقع هذه الجملة ؟ قلت : هي جملة اعتراضية لا محل لها من
الاعراب كنحو ما يجئ في الشعر من قولهم : والحوادث جمة ، فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته ، لان من بلغ من
الزلفى عند الله أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته ، ولو جعلتها معطوفة على الجملة قبلها لم يكن لها
معنى . وقيل إن إبراهيم عليه السلام بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه ، فقال خليله :