تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا . يعدهم ويمنيهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا . والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ، ومن أصدق من الله قيلا . ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا . ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا .
شرح
عامة العلماء مباح في البهائم ، وأما في بني آدم فمحظور ، وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لان الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم . وقيل فطرة الله التي هي دين الاسلام . وقيل للحسن : إن عكرمة يقول هو الخصاء ، فقال كذب عكرمة هو دين الله . وعن ابن مسعود هو الوشم ، وعنه ( لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله ) وقيل التخنث ( وعد الله حقا ) مصدر أن الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره ( ومن أصدق من الله قيلا ) توكيد ثالث بليغ . فإن قلت : ما فائدة هذه التوكيدات ؟ قلت : معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه ترغيبا للعباد في إيثار ما يستحقون به تنجز وعد الله على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان . في ( ليس ) ضمير وعد الله : أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب ( بأمانيكم ولا ) ب‍ ( أماني أهل الكتاب ) والخطاب للمسلمين لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به ، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الايمان بوعد الله . وعن مسروق والسدي هي في المسلمين . وعن الحسن : ليس الايمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا ، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل له . وقيل إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ، وقال المسلمون : نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله ، فنزلت . ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم : إن كان الامر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم وأحسن حالا - لأوتين مالا وولدا - إن لي عنده للحسنى - وكان أهل الكتاب يقولون - نحن أبناء الله وأحباؤه - لن تمسنا النار إلا أياما معدودة - ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله . وعن مجاهد أن الخطاب للمشركين ، قوله ( من يعمل سوءا يجز به ) وقوله ( ومن يعمل من الصالحات ) بعد ذكر تمني أهل الكتاب نحو من قوله - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته - وقوله - والذين آمنوا وعملوا الصالحات - عقيب قوله - وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الامر كله معقود بالعمل وأن من أصلح عمله فهو الفائزة ومن أساء عمله فهو الهالك ، تبين الامر ووضح ووجب قطع الأماني وحسم المطامع والاقبال على العمل الصالح ، ولكنه فصيح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان . فإن قلت : ما الفرق بين من الأولى والثانية ؟ قلت : الأولى للتبعيض ، أراد ومن يعمل بعض
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 565 | الزمخشري