ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم
وقولوا لهم قولا معروفا . وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها
شرح
كأنه قيل : هنأ مرأ ، وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة ( السفهاء ) المبذرون أموالهم الذين
ينفقونها فيما لا ينبغي ولا يدي لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها والخطاب للأولياء . وأضاف الأموال إليهم
لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم كما قال - ولا تقتلوا أنفسكم - فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات -
والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله : وارزقوهم فيها واكسوهم . ( جعل الله لكم قياما ) أي
تقومون بها وتنتعشون ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في أنفسها قيامكم وانتعاشكم . وقرئ فيما بمعنى قياما كما جاء
عوذا بمعنى عياذا . وقرأ عبد الله بن عمر قواما بالواو ، وقوام الشئ ما يقام به كقولك : هو ملاك الامر لما
يملك به . وكان السلف يقولون : المال سلاح المؤمن ، ولان أترك ما لا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس .
عن سفيان وكانت له بضاعة يقلبها : لولاها لتمندل بي بنو العباس . وعن غيره قيل له : إنها تدنيك من الدنيا .
لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها . وكانوا يقولون : اتجروا واكتسبوا إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان
أول ما يأكل دينه . وربما رأوا رجلا في جنازة فقالوا له اذهب إلى دكانك ( وارزقوهم فيها ) واجعلوها مكانا
لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الانفاق . وقيل
هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء قريب أو أجنبي رجل أو امرأة يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي
ويفسده ( قولا معروفا ) قال ابن جريج : عدة جميلة إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم . وعن عطاء : إذا
ربحت أعطيتك وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا . وقيل إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل عافانا الله
وإياك ، بارك الله فيك ، وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل فهو معروف ، وما
أنكرته ونفرت منه لقبحه فهو منكر ( وابتلوا اليتامى ) واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل
البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشدا : أي هداية دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ . وبلوغ النكاح :
أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده ، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل . الايناس : الاستيضاح