فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار . ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن
آمنوا بربكم فآمنا ، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار .
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد
فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم
من بعض ،
شرح
وأن يخلق شيئا بغير حكمة ( فقد أخزيته ) فقد أبلغت في إخزائه وهو نظير قوله - فقد فاز - ونحوه في كلامهم : من
أدرك مرعى الصمان فقد أدرك ومن سبق فلانا فقد سبق ( وما للظالمين ) اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأن
من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها . تقول : سمعت رجلا كذا وسمعت زيدا يتكلم ، فتوقع الفعل
على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف أو
الحال لم يكن منه بد ، وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله . فإن قلت : فأي فائدة في الجمع بين المنادى والمنادي ؟
قلت : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادى ، لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادي للايمان ،
ونحوه قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب أو لاطفاء
النائرة أو لإغاثة المكروب أو لكفاية بعض النوازل أو لبعض المنافع ، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدى للطريق
ويهدى لسداد الرأي وغير ذلك ، فإذا قلت : ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي
وفخمته ، ويقال دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له واليه ، ونحوه : هداه للطريق واليه ، وذلك
أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعا ، والمنادى هو الرسول - أدعو إلى الله - ، و - ادع إلى سبيل ربك -
وعن محمد بن كعب القرآن ( أن آمنوا ) أي آمنوا أو بأن آمنوا ( ذنوبنا ) كبائرنا ( سيآتنا ) صغائرنا ( مع الأبرار )
مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم . والأبرار جمع بر أو بار كرب وأرباب وصاحب وأصحاب ( على رسلك )
على هذه صلة للوعد كما في قولك : وعد الله الجنة على الطاعة ، والمعنى : ما وعدتنا على تصديق رسلك ، ألا
تراه كيف أتبع ذكر المنادي للايمان وهو الرسول ، وقوله آمنا وهو التصديق ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف :
أي ما وعدتنا منزلا على رسلك أو محمولا على رسلك ، لان الرسل محملون ذلك - فإنما عليه ما حمل - وقيل على
ألسنة رسلك ، والموعود هو الثواب ، وقيل النصرة على الأعداء . فإن قلت : كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله
لا يخلف الميعاد ؟ قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو هو باب من اللجأ إلى الله
والخضوع له كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل
لربهم والتضرع إليه واللجأ الذي هو سيما العبودية . يقال استجاب له واستجابه * فلم يستجبه عند ذاك مجيب *
( أني لا أضيع ) قرئ بالفتح على حذف الباء وبالكسر على إرادة القول ، وقرئ لا أضيع بالتشديد ( من ذكر
أو أنثى ) بيان لعامل ( بعضكم من بعض ) أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر :
أي من أصله ، أو كأنه منه لفرط اتصالكم واتحادكم . وقيل المراد وصلة الاسلام ، وهذه جملة معترضة بينت بها