تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا يحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم . ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شئ قدير . إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .
شرح
فائزين ، وفلا يحسبنهم تأكيد . ومعنى ( بما أتوا ) بما فعلوا ، وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل قال الله تعالى - إنه كان وعده مأتيا ، لقد جئت شيئا فريا - ويدل عليه قراءة أبي يفرحون بما فعلوا وقرئ آتوا بمعنى أعطوا وعن علي رضي الله عنه بما أوتوا ومعنى ( بمفازة من العذاب ) بمنجاة منه . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شئ مما في التوراة ، فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم : أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب ومعنى يفرحون بما أتوا : بما أوتوه من علم التوراة ، وقيل يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهودية وأنهم على دينه ، وقيل هم قوم تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قفل اعتذروا إليه بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا إليه بترك الخروج . وقيل هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين ومنافقتهم وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم ، ويستحمدون إليهم بالايمان لذي لم يفعلوه على الحقيقة لإبطانهم الكفر . ويجوز أن يكون شاملا لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ، ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد وبما ليس فيه ( ولله ملك السماوات والأرض ) فهو يملك أمرهم وهو على كل شئ قدير فهو يقدر على عقابهم ( لآيات ) لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته ( لأولي الألباب ) للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر . وفي النصائح الصغار : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب وأجلهما في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها ، متدبرا حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : ( قلت لعائشة رضي الله عنها : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ؟ فقلت : يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك ، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن ، فجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه ، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى أيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ثم قال : ومالي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة - إن في خلق السماوات والأرض - ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) . وروي : ( ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأملها ) وعن علي رضي الله عنه : أن النبي
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 487 | الزمخشري