ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من
تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار . وإن من أهل
الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات
الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب . يا أيها الذين
آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .
شرح
وكل زائل قليل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم
فلينظر بم يرجع ) ( وبئس المهاد ) وساء ما مهدوا لأنفسهم . النزل والنزل ما يقام للنازل : قال أبو الشعراء الضبي :
وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
وانتصابه إما على الحال من جنات لتشخصها بالوصف والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد كأنه
قيل رزقا أو عطاء ( من عند الله وما عند الله ) من الكثير الدائم ( خير للأبرار ) مما يتقلب فيه الفجار من القليل
الزائل . وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش نزلا بالسكون وقرأ يزيد بن القعقاع : لكن الذين اتقوا بالتشديد ( وإن
من أهل الكتاب ) عن مجاهد نزلت في عبد الله بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب ، وقيل في أربعين من أهل
نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقيل في أصحمة
النجاشي ملك الحبشة ، ومعنى أصحمة : عطية بالعربية : وذلك أنه لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم فخرج إلى البقيع ، ونظر إلى
أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه واستغفر له . فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج
نصراني لم يره قط وليس على دينه فنزلت ، ودخلت لام الابتداء على اسم إن لفصل الظرف بينهما كقوله - وإن
منكم لمن ليبطئن - ( وما أنزل إليكم ) من القرآن ( وما أنزل إليهم ) من الكتابين ( خاشعين لله ) حال من فاعل يؤمن
لان من يؤمن في معنى الجمع ( لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم ( أولئك لهم
أجرهم عند ربهم ) أي ما يختص بهم من الاجر وهو ما وعدوه في قوله - أولئك يؤتون أجرهم مرتين - يؤتكم كفلين
من رحمته - ( ان الله سريع الحساب ) لنفوذ علمه في كل شئ فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الاجر . ويجوز
أن يراد إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد ( اصبروا ) على الدين وتكاليفه ( وصابروا ) أعداء الله في الجهاد :
أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا . والمصابرة باب من الصبر ذكر بعد
الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدته وصعوبته ( ورابطوا ) وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها ،
مترصدين مستعدين للغزو ، قال عز وجل - ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم - وعن النبي صلى
الله عليه وسلم ( من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه ، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا
لحاجة ) . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم )
وعنه عليه الصلاة والسلام ( من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى
تحجب الشمس ) .