الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد
جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم وإن كنتم صادقين . فإن
كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير . كل
نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل
الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . لتبلون في أموالكم وأنفسكم
شرح
قلت : معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ، ومن العدل أن يعاقب المسئ منهم ويثيب المحسن ( عهد
إلينا ) أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه الآية الخاصة ، وهو أن يرينا قربانا تنزل نار من
السماء فتأكله كما كان أنبياء بني إسرائيل تلك آيتهم ، كان يقرب بالقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من السماء
فتأكله ، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لان أكل النار القربان لم يوجب الايمان للرسول الآتي به إلا لكونه آية
ومعجزة ، فهو إذن وسائر الآيات سواء ، فلا يجوز أن يعينه الله تعالى من بين الآيات ، وقد ألزمهم الله أن أنبياءهم
جاءوهم بالبينات الكثيرة التي أوجبت عليهم التصديق وجاءوهم أيضا بهذه الآية التي اقترحوها ، فلم قتلوهم إن كانوا
صادقين أن الايمان يلزمهم بإتيانها . وقرئ بقربان بضمتين ونظيره السلطان . فإن قلت : ما معنى قوله ( وبالذي
قلتم ) ؟ قلت : معناه وبمعنى الذي قلتموه من قولكم قربان تأكله النار ، ومؤداه كقوله - ثم يعودون لما قالوا - أي
لمعنى ما قالوا . في مصاحف أهل الشام وبالزبر وهي الصحف ( والكتاب المنير ) التوراة والإنجيل والزبور ، وهذه
تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه وتكذيب اليهود . وقرأ اليزيدي ذائقة الموت على الأصل ،
وقرأ الأعمش ذائقة الموت بطرح التنوين مع النصب كقوله * ولا ذاكر الله إلا قليلا * فإن قلت : كيف اتصل به
قوله ( وانما توفون أجوركم ) ؟ قلت : اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بد لكم من الموت ولا توفون أجوركم
على طاعتكم ومعاصيكم عقيب موتكم وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور . فإن قلت : فهذا يوهم نفي ما يروى
( إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ) . قلت : كلمة التوفية تزيل هذا الوهم ، لان المعنى أن
توفيه الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور . الزحزحة التنحية ، والابعاد تكرير
الزح وهو الجذب بعجلة ( فقد فاز ) فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة
من سخط الله والعذاب السرمد ونيل رضوان الله والنعيم المخلد . اللهم وفقنا لما ندرك به عندك الفوز في المآب .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله واليوم