تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
وكانوا يعتدون . ليسوا سواء . من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين . وما تفعلوا من خير فلن تكفروه والله عليم بالمتقين . إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر
شرح
الله يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر ونحوه - مما خطيئاتهم أغرقوا - وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل - . الضمير في ( ليسوا ) لأهل الكتاب أي ليس أهل الكتاب مستوين . وقوله ( من أهل الكتاب أمد قائمة ) كلام مستأنف لبيان قوله ليسوا سواء كما وقع قوله - تأمرون بالمعروف - بيانا لقوله " كنتم خير أمة " أمة قائمة مستقيمة عادلة ، من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام وهم الذين أسلموا منهم . وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود لأنه أبين لما يفعلون وأدل على حسن صورة أمرهم . وقيل عنى صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها . وعن ابن مسعود رضي الله عنه " أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم ، وقرأ هذه الآية " . وقوله ( يتلون ) و ( يؤمنون ) في محل الرفع صفتان لأمة : أي أمة قائمة تالون مؤمنون وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله ، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض ، ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته ، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين ، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها . والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي ( وأولئك ) الموصوفون بما وصفوا به ( من ) جملة ( الصالحين ) الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم ، ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين ( فلن تكفروه ) لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله - والله شكور حليم - في معنى توفية الثواب نفى عنه نقيض ذلك . فإن قلت : لم عدي إلى المفعولين وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحدة ، تقول شكر النعمة وكفرها ؟ قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل فلن تحرموه بمعنى فلن تحرموا جزاءه . وقرئ يفعلوا ويكفروا بالياء والتاء ( والله عليم بالمتقين ) بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى . الصر الريح الباردة نحو الصرصر ، قال : لا تعدلين أتاويين تضربهم * نكباء صر بأصحاب المحلات
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 456 | الزمخشري