وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا
إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة
ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، ذلك بما عصوا
شرح
ضررا مقتصرا على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك ( وإن يقاتلكم يولوكم الأدبار ) منهزمين ولا
يضروكم بقتل أو أسر ( ثم لا ينصرون ) ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم ، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم
كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم بأنهم لا يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى
ضرر يبالي به مع أنه وعدهم الغلبة عليهم والانتقام منهم ، وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل . فإن قلت : هلا جزم
المعطوف في قوله : ثم لا ينصرون ؟ قلت : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل : ثم أخبركم
أنهم لا ينصرون . فإن قلت : فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى ؟ قلت : لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم
كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم
بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة ، لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر ، وكان كما
أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر . فإن قلت : فما الذي عطف عليه هذا الخبر ؟ قلت : جملة
الشرط والجزاء كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون . فإن قلت : فما معنى التراخي
في ثم ؟ قلت : التراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار . فإن قلت :
ما موقع الجملتين أعني منهم المؤمنون ولن يضروكم ؟ قلت : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء
ذكر أهل الكتاب كما يقول القائل وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ، ولذلك جاءا من غير عاطف
( بحبل من الله ) في محل النصب على الحال بتقدير إلا معتصمين أو متمسكين أو ملتبسين بحبل من الله وهو استثناء
من أعم عام الأحوال . والمعنى : ضربت عليهم الذلة في عامة الأحول إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل
الناس ، يعني ذمة الله وذمة المسلمين : أي لا عز لهم قط إلا بهذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من
الجزية ( وباءوا بغضب من الله ) استوجبوه ( وضربت عليهم المسكنة ) كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون
في المسكنة غير ظاعنين عنها وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه ( ذلك ) إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة
والبواء بغضب الله : أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ثم قال ( ذلك بما عصوا ) أي ذلك
كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده ليعلم أن الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط الله ، وأن سخط