ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب
عظيم . يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم
بعد إيمانكم
شرح
- فقاتلوا - فإن قلت : فمن يباشر ؟ قلت : كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه ، وقد أجمعوا أن من رأى غيره
تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار لأنه معلوم قبحه لكل أحد ، وأما الإنكار الذي بالقتال فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم
أعلم بالسياسة ومعهم عدتها . فإن قلت : فمن يؤمر وينهى ؟ قلت : كل مكلف ، وغير المكلف إذا هم بضرر
غيره منع كالصبيان والمجانين ، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها .
فإن قلت : هل يجب على مرتكب المنكر أن ينهى عما يرتكبه ؟ قلت : نعم يجب عليه لأن ترك ارتكابه وإنكاره
واجبان عليه ، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر . وعن السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا . وعن
الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول : لا أقول ما أفعل ، فقال : وأينا يفعل ما يقول ؟ ود الشيطان لو ظفر
بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر . فإن قلت : كيف قيل يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ؟
قلت : الدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص ،
فجئ بالعام ثم عطف عليه الخاص إيذانا بفضله كقوله - والصلاة الوسطى - ( كالذين تفرقوا واختلفوا ) وهم
اليهود والنصارى ( من بعد ما جاءهم البينات ) الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق ، وقيل هم
مبتدعوا هذه الأمة وهم المشبهة والمجبرة والحشوية وأشباههم ( يوم تبيض وجوه ) نصب بالظرف وهو لهم أو بإضمار
أذكر ، وقرئ تبيض وتسود بكسر حرف المضارعة ، وتبياض وتسواد ، والبياض من النور والسواد من
الظلمة ، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وأشرقت وسعى النور
بين يديه وبيمينه ، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللوم وكسوفه وكمده واسودت صحيفته واظلمت
وأحاطت به الظلمة من كل وجانب ، نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله ( أكفرتم ) فيقال لهم أكفرتم
والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم ، والظاهر أنهم أهل الكتاب . وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله صلى
الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه . وعن عطاء تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة