وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط
مستقيم . فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن
أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول
فاكتبنا مع الشاهدين . ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين . إذ قال الله
يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك
شرح
التوراة دل عليه ولأنه كان معلوما عندهم ، وقرئ حرم بوزن كرم ( وجئتكم بآية من ربكم ) شاهدة على صحة
رسالتي وهي قوله ( إن الله ربي وربكم ) لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ، وقرئ بالفتح على
البدل من آية ، وقوله فاتقوا الله وأطيعون اعتراض . فإن قلت : كيف جعل هذا القول آية من ربه ؟ قلت : لأن الله
تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال ، ويجوز أن
يكون تكريرا لقوله جئتكم بآية من ربكم : أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء
والإنباء بالخفيات وبغيره من ولادتي بغير أب ومن كلامي في المهد ، ومن سائر ذلك . وقرأ عبد الله وجئتكم بآيات
من ربكم فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات وأطيعوني فيما أدعوكم إليه ، ثم ابتدأ فقال : إن الله ربي وربكم ،
ومعنى قراءة من فتح ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه كقوله لإيلاف قريش فليعبدوا ، ويجوز أن يكون المعنى :
وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض ( فلما أحس ) فلما علم منهم ( الكفر ) علما لا شبهة فيه
كعلم ما يدرك بالحواس و ( إلى الله ) من صلة أنصاري مضمنا معنى الإضافة كأنه قيل من الذين يضيفون أنفسهم
إلى الله ينصرونني كما ينصرني أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء : أي من أنصاري ذاهبا إلى الله ملتجئا إليه ( نحن
أنصار الله ) أي أنصار دينه ورسوله ، وحواري الرجل صفوته وخالصته ، ومنه قيل للحضريات الحواريات
لخلوص ألوانهن ونظافتهن ، قال :
فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وفي وزنه الحوالي وهو الكثير الحيلة ، وإنما طلبوا شهادة بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة
لقومهم وعليهم ( مع الشاهدين ) مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية ، وقيل مع
أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس ( ومكروا ) الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر
ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة ( ومكر الله ) أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهة على من أراد اغتياله حتى
قتل ( والله خير الماكرين ) أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب ( إذ قال
الله ) ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله ( إني متوفيك ) أي مستوفي أجلك ، ومعناه : أني عاصمك من أن يقتلك
الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم ( ورافعك إلي ) إلى سمائي ومقر ملائكتي
( ومطهرك من الذين كفروا ) من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ، وقيل متوفيك : قابضك من الأرض من