تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم . فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون . ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين . ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين . إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك
شرح
التوراة دل عليه ولأنه كان معلوما عندهم ، وقرئ حرم بوزن كرم ( وجئتكم بآية من ربكم ) شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله ( إن الله ربي وربكم ) لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه ، وقرئ بالفتح على البدل من آية ، وقوله فاتقوا الله وأطيعون اعتراض . فإن قلت : كيف جعل هذا القول آية من ربه ؟ قلت : لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال ، ويجوز أن يكون تكريرا لقوله جئتكم بآية من ربكم : أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من خلق الطير والإبراء والإحياء والإنباء بالخفيات وبغيره من ولادتي بغير أب ومن كلامي في المهد ، ومن سائر ذلك . وقرأ عبد الله وجئتكم بآيات من ربكم فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات وأطيعوني فيما أدعوكم إليه ، ثم ابتدأ فقال : إن الله ربي وربكم ، ومعنى قراءة من فتح ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه كقوله لإيلاف قريش فليعبدوا ، ويجوز أن يكون المعنى : وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض ( فلما أحس ) فلما علم منهم ( الكفر ) علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس و ( إلى الله ) من صلة أنصاري مضمنا معنى الإضافة كأنه قيل من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء : أي من أنصاري ذاهبا إلى الله ملتجئا إليه ( نحن أنصار الله ) أي أنصار دينه ورسوله ، وحواري الرجل صفوته وخالصته ، ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن ، قال : فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح وفي وزنه الحوالي وهو الكثير الحيلة ، وإنما طلبوا شهادة بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ( مع الشاهدين ) مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية ، وقيل مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس ( ومكروا ) الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة ( ومكر الله ) أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهة على من أراد اغتياله حتى قتل ( والله خير الماكرين ) أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب ( إذ قال الله ) ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله ( إني متوفيك ) أي مستوفي أجلك ، ومعناه : أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم ( ورافعك إلي ) إلى سمائي ومقر ملائكتي ( ومطهرك من الذين كفروا ) من سوء جوارهم وخبث صحبتهم ، وقيل متوفيك : قابضك من الأرض من
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 432 | الزمخشري