إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار . وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله
اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين . يا مريم اقنتي لربك واسجدي
واركعي مع الراكعين . ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون
أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم
شرح
بذكر الله ولذلك قال ( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي
من الآيات الباهرة . فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس ؟ قلت : ليخلص المدة بذكر الله لا يشغل لسانه
بغيره توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل
الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر ، وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا
منه ( إلا رمزا ) إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرك ، يقال ارتمز : إذا تحرك ، ومنه قيل للبحر
الراموز ، وقرأ يحيى بن وثاب - إلا رمزا - بضمتين جمع رموز كرسول ورسل ، وقرئ رمزا بفتحتين جمع رامز
كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله :
متى ما تلقني فردين ترجف * روانف إليتك وتستطارا
بمعنى : إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ، والعشي من حين نزول الشمس إلى أن
تغيب ، والإبكار : من طلوع الفجر إلى وقت الضحى . وقرئ والأبكار بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار ،
يقال أتيته بكرا بفتحتين . فإن قلت : الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه ؟ قلت : لما أدى مؤدى
الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاما ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا ( يا مريم ) روي أنهم كلموها شفاها
معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوة عيسى ( اصطفاك ) أولا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية
( وطهرك ) مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود ( واصطفاك ) آخرا ( على نساء العالمين ) بأن وهب لك عيسى
من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة
وأركانها ، ثم قيل لها ( واركعي مع الراكعين ) بمعنى : ولتكن صلاتك مع المصلين : أي في الجماعة ، أو انظمي
نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم ، ويحتمل أن يكون في زمانها من كان
يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع ، وفيه من يركع فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع ( ذلك )
إشارة إلى ما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام ، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا
بالوحي . فإن قلت : لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة وترك نفي استماع الأنباء من حفاظها وهو
موهوم ؟ قلت : كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق
إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة ، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع
له ولا قراءة ونحوه - وما كنت بجانب الغربي - وما كنت بجانب الطور - وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم -
( أقلامهم ) أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر متقرعين ، وقيل هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة