وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم . فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين . قل
يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به
شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون .
يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
أفلا تعقلون . ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم
به علم
شرح
اسم إن وخبرها ، وإما مبتدأ ، والقصص الحق خبره والجملة خبر إن . فإن قلت : لم جاز دخول اللام على
الفصل ؟ قلت : إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه وأصلها
أن تدخل على المبتدأ ، و " من " في قوله ( وما من إله إلا الله ) بمنزلة البناء على الفتح في لا إله إلا الله في إفادة
معنى الاستغراق ، والمراد الرد على النصارى في تثليثهم ( فإن الله عليم بالمفسدين ) وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله
- زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون - ( يا أهل الكتاب ) قيل هم أهل الكتابين وقيل وفد نجران وقيل
يهود المدينة ( سواء بيننا وبينكم ) مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل ، وتفسير الكلمة قوله
( ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) يعني تعالوا إليها لا نقول عزير
ابن الله ولا المسيح ابن الله لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا ، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل
من غير رجوع إلى ما شرع الله كقوله تعالى - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما
أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا - وعن عدي بن حاتم " ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال : أليس كانوا يحلون لكم
ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال نعم ، قال هو ذاك " وعن الفضيل : لا أبالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق ، أو
صليت لغير القبلة . وقرئ كلمة بسكون اللام ، وقرأ الحسن سواء بالنصب بمعنى استوت استواء ( فإن تولوا )
عن التوحيد ( فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون
دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي الغلبة ، ويجوز أن
يكون من باب التعريض ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره . زعم كل
فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه ، فقيل لهم
إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة والنصرانسة بعد نزول الإنجيل ، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه
وبين عيسى ألفان ، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة ( أفلا تعقلون ) حتى
لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال ( ها أنتم هؤلاء ) ها للتنبيه وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره و ( حاججتم ) جملة مستأنفة
مبينة للجملة الأولى ، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم ( فيما لكم به علم )
مما نطق به التوراة والإنجيل ( فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ) ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم .