والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن
شرح
بذلك ، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان ( والمطلقات ) أراد المدخول بهن من ذوات
الأقراء . فإن قلت : كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضى العموم ؟ قلت : بل اللفظ مطلق في تناول
الجنس صالح لكله وبعضه فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك . فان قلت : فما معنى الاخبار عنهن بالتربص ؟
قلت : هو خبر في معنى الامر ، وأصل الكلام وليتربص المطلقات ، وإخراج الامر في صورة الخبر تأكيد للامر
وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الامر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا ، ونحوه
قولهم في الدعاء رحمك الله ، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها ، وبناؤه على
المبتدأ مما زاده أيضا فضل تأكيد ، ولو قيل ويتربص المطلقات لم يكن بتلك الوكادة . فان قلت : هلا قيل يتربصن
ثلاثة قروء كما قيل تربص أربعة أشهر ، وما معنى ذكر الأنفس ؟ قلت : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص
وزيادة بعث لان فيه ما يستنكف منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرن
أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص . والقروء جمع قرء أو قرء وهو الحيض بدليل قوله عليه
الصلاة والسلام ( دعى الصلاة أيام أقرائك ) وقوله ( طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ) ولم يقل طهران ، وقوله
تعالى - واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر - فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ،
ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء
من الأمة بالحيضة ، ويقال أقرأت المرأة : إذا حاضت ، وامرأة مقرئ . وقال أبو عمرو بن العلاء : دفع فلان
جاريته إلى فلانة تقرئها : أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء . فإن قلت : فما تقول في قوله تعالى - فطلقوهن
لعدتهن - والطلاق الشرعي إنما هو في الطهر ؟ قلت : معناه مستقبلات لعدتهن كما تقول لقيته لثلاث بقين من
الشهر تريد مستقبلا لثلاث وعدتهن الحيض الثلاث . فان قلت : فما تقول في قول الأعشى :
* لما ضاع فيها من قروء نسائكا * قلت : أراد لما ضاع فيها من عدة نسائك لشهرة القروء عندهم في الاعتداد
بهن . أي من مدة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء استطال مدة غيبته عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب