بالإثم والعدوان ، وإن يأتوكم أسارى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ،
أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى
في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون .
أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم
ينصرون . ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن
مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى
أنفسكم استكبرتم ؟
شرح
بيان لقوله ثم أنتم هؤلاء موصول بمعنى الذي . وقرئ تظاهرون بحذف التاء وإدغامها وتتظاهرون بإثباتها
وتظهرون بمعنى تتظاهرون : أي تتعاونون عليهم . وقرئ تفدوهم وتفادوهم وأسرى وأسارى ( وهو ) ضمير
الشأن ، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره ( إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب ) أي بالفداء ( وتكفرون ببعض )
أي بالقتال والإجلاء . وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس ، والنضير كانوا حلفاء الخزرج ، فكان كل فريق يقاتل
مع حلفائه ، ولذا غلبوا خرجوا ديارهم وأخرجوهم ، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدونه فعيرتهم
العرب وقالت : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن نذل
حلفاءنا . والخزي قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بنى النضير ، وقيل الجزية ، وإنما رد من فعل منهم ذلك إلى
أشد العذاب لأن عصيانه أشد ، وقرئ يردون ويعملون بالياء والتاء ( فلا يخفف عنهم ) عذاب الدنيا بنقصان
الجزية ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم وكذلك عذاب الآخرة ( الكتاب ) التوراة آتاه إياها جملة واحدة ويقال قفاه
إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب ، وقفاه به أتبعه إياه . يعنى وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل كقوله تعالى
- ثم أرسلنا رسلنا تترى - وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس
واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم ، وقيل ( عيسى ) بالسريانية يشوع ، و ( مريم ) بمعنى الخادم ، وقيل المريم
بالعربية من النساء كالزير من الرجال وبه فسر قوله رؤبة * قلت لزير لم تصله مريمه * ووزن مريم عند
النحويين مفعل لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ( البينات ) المعجزات الواضحات
والحجج كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات ، وقرئ وآيدناه ، ومنه آجده بالجيم إذا
قواه ، يقال الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف وأوجدني بعد فقر ( بروح القدس ) بالروح المقدسة كما تقول :
حاتم الجود ورجل صدق . ووصفها بالقدس كما قال وروح منه فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة ، وقيل
لأنه لم تضعه الأصلاب ولا أرحام طوامث ، وقيل بجبريل ، وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن - وروحا من أمرنا -
وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيى الموتى بذكره ، والمعنى : ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ( أفكلما
جاءكم رسول ) منهم بالحق ( استكبرتم ) عن الإيمان به فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من
شأنهم ، ويجوز أن يريد : ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم ثم وبخهم على ذلك ، ودخول الفاء لعطفه على