العقلية ، من حيث إن للعقل حكم واحد أو حكمين ، على ما سيأتي توضيحه في
محله ( إنشاء الله تعالى ) .
المبحث الثالث
في قيام الطرق والأمارات والأصول بنفس أدلة اعتبارها مقام القطع بأقسامه
وتفصيل ذلك يستدعى تقديم أمور :
الأمر الأول : المراد من الأصول المبحوث عنها في المقام من حيث
قيامها مع القطع ليس مطلق الأصول ، بل خصوص الأصول التنزيلية - أي
المتكفلة لتنزيل المؤدى منزلة الواقع - بحيث يكون المجعول فيها البناء العملي ( 1 )
هامش
( 1 ) أقول : هل يرجع البناء العملي على أحد الطرفين على أنه الواقع إلى غير البناء على أن مؤدى أحد
الطرفين في مقام العمل هو الواقع ؟ ومرجع هذا البناء هل إلى غير تنزيل المؤدى منزلة الواقع في مقام العمل ؟
وحينئذ أين يبقى مجال الانكار لتنزيل المودى منزلة الواقع على من يقول به في الطرق أيضا برميه على الاستحالة ، إذ
مثله أيضا لا يريد من التنزيل المزبور أزيد من ذلك .
ثم إن نتيجة هذا البناء العملي في ظرف الشك بالواقع هل من الشارع الجاعل أو الممضي لبنائهم إلى غير
ابراز إرادته للعمل المزبور بهذا العنوان ؟ ولا نعنى من الحكم الظاهري غير هذا ، فكيف ينكر الحكم الظاهري في
قبال الواقع حتى في الأصول !
نعم : الغرض من الحكم الظاهري المجعول ان كان إرادة مستقلة أخرى فنحن أيضا ننكره ، بل الذي
يلتزم بالحكم الظاهري مطلقا يقول بأن شأن الخطابات الظاهرية كونها مبرزة للإرادة الواقعية التي هي مضمون
الخطابات الواقعية في مرتبة الشك فيها ، فهي من حيث المبرزية الذي به قوام حكميه في طول الواقع ومن حيث
مادة الحكم ولبه من الإرادة عين الخطاب الواقعي ، وبهذا المعنى قلنا بصحة وقوع الظن وسطا لحكم متعلقه
بالقياس المنطقي بلا مغالطة في صورة القياس كما تقدم ، كما أن بنفس هذا الخطاب والأمر الظاهري يتنجز الواقع
لا بشئ آخر ، كما سنبين لك بأحسن بيان ( إن شاء الله تعالى ) .
وبالجملة نقول : ان الشارع جاعل لاحراز الواقع ، لكن بهذا المعنى الجاري في الأصول المثبتة حتى غير
التنزيلية - كايجاب الاحتياط - بمعنى تتميم الكشف المختص بالأمارة . وأظن أن الصادر من مؤسس الأساس هو
ذلك وبتوارد الأفكار وقع الخلط في جعل الكاشف والإحراز إلى تتميم كشف الناقص الذي هو مفاد دليل الأمارة
بنحو من العناية محضا ، بلا جريان مثله في مفاد أدلة الأصول .