الأدلة قابلة للتخصيص وقد خصصت في غير مورد ( 1 ) كما في مورد الجهر
والإخفات والقصر والإتمام ، حيث قام الدليل على اختصاص الحكم في حق
العالم ، فقد اخذ العلم شرطا في ثبوت الحكم واقعا .
وكما يصح أخذ العلم بالحكم شرطا في ثبوت الحكم كذلك يصح أخذ
العلم بالحكم من وجه خاص وسبب خاص مانعا عن ثبوت الحكم واقعا ، بحيث
لا حكم مع العلم به من ذلك السبب . كما في باب القياس ، حيث إنه قام الدليل
على أنه لا عبرة بالعلم بالحكم الحاصل من طريق القياس ، كما في رواية " أبان "
في مسألة دية أصابع المرأة ( 2 ) حيث نهى ( ع ) عن العمل بالقياس ، مع أن " أبان "
كان عالما بأن في قطع أربعة من أصابع المرأة يثبت أربعين من الإبل من طريق
القياس ، ومن هنا تعجب من حكم الإمام ( عليه السلام ) بأنه يثبت ثلاثين من
الإبل ، ومع ذلك نهى الإمام ( ع ) عن العمل بعلمه ، فقد أخذ العلم بالحكم من
طريق القياس مانعا . وليس هذا في الحقيقة نهيا عن العمل بالعلم حتى يقال : إن
ذلك لا يعقل من جهة أن طريقية العلم وكاشفيته ذاتية لا يمكن نفيها في عالم
التشريع ولا يعقل التصرف في ناحية العلم بوجه من الوجوه ، بل مرجع ذلك إلى
التصرف في المعلوم والواقع الذي أمره بيد الشارع ، فالتصرف يرجع إلى ناحية
المتعلق لا إلى ناحية العلم ، وبعد الالتفات إلى هذا التصرف لا يمكن أن يحصل
للمكلف علم بالحكم من طريق القياس ، إذ الحكم الواقعي قيد بغير ما أدى إليه
القياس ، فكيف يمكن أن يحصل له العلم بالواقع من ذلك الطريق . نعم : لو لم
يلتفت إلى هذا التصرف يحصل له العلم ، كما حصل ل " أبان " العلم بالحكم قبل
نهى الإمام ( ع ) .
هامش
( 1 ) أقول : لا شبهة في أن التقيد في أصل الغرض ولو بمتمم الجعل يقتضى عدم العقاب في الجاهل المقصر
في الفرعين ، لعدم تصور التقصير في حق الجاهل حينئذ ، مع أنه خلاف ظاهر الأصحاب ، كما حكاه في " مصباح
الفقيه " وحينئذ فلا محيص من جعل المقام من باب جعل البدل المفوت لبقية المصلحة ، كما لا يخفى .
( 2 ) الوسائل : الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء الحديث 1