وقال : لقد ذكرتني رائقة [ 1 ] وصاحبتها أمرا ما سمعته أذناي بعد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم . فقيل له : أكان القيان يكنّ عند جبلة بن الأيهم ؟ فتبسّم ثم جلس فقال : لقد رأيت عنده عشر قيان : خمس منهن روميّات يغنّين بالرومية بالبرابط ، وخمس يغنّين غناء أهل الحيرة ، أهداهنّ إليه إياس بن قبيصة . وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الورد والآس والياسمين وأصناف الرياحين ، وضرب [ له ] بالعنبر والمسك في صحاف الفضّة ، وأوقد له العود الهنديّ إن كان شاتيا وإن كان صائفا [ بطَّن ] بالثلج ، وأتي هو وأصحابه بكسى من ليّن الكتّان يتفضّل فيها هو وأصحابه . وفي الشتاء الفراء من الفنك وما أشبهه . ولا واللَّه ما جلست معه يوما قطَّ إلا خلع عليّ ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه . هذا مع حلم عمّن جهل ، وضحك وبذل من غير مسألة ، مع حسن وجه وحسن حديث . ما رأيت في مجلسه خنا قطَّ ولا عربدة ، ونحن يومئذ على دين الشّرك ، فجاء اللَّه بالإسلام فمحا به كلّ كفر ، وتركنا الخمر وما كره ؛ وأنتم اليوم مسلمون تشربون النّبيذ من التمر ، والفضيخ من الزهو والرّطب ، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتى يصاخب صاحبه ويقارفه ، وتضربون فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون .
« 992 » - كان ابن عمّار الطائيّ خطيبا فصيحا . وبلغ النعمان بن المنذر حسن حديثه ولذاذة منادمته ، فدعاه إلى صحبته ، وقال له : يا ابن عمّار ، أتدري لمن أريدك ؟ قال : واللَّه أبيت اللعن ما أدري ، غير أني أدري أنّك لا تريدني لخير ، قال : أجل ، أريدك لنفسي أخصّك بها وأهنّئها بك ، قال : أبيت اللعن ، إنك تريدني للنفس الخطيرة الرفيعة الشريفة ، غير أني أقول واحدة ، قال : قل عشرا .
شرح
[ 1 ] هكذا في الأغاني وفي م ريقة .
هامش
« 992 » انظر البيان والتبيين 1 : 222 - 223 .