مكتوب على بعضها « أمرني ربي » ، وعلى بعضها « نهاني ربي » . فإذا أراد الرجل سفرا وأمرا يهتم به ضرب بتلك القداح ، فإن خرج السهم الذي عليه « أمرني ربي » مضى لحاجته ، وإن خرج الذي عليه « نهاني ربي » لم يمض في أمره .
وكان لهم قدح آخر مكتوب عليه « متربص » . ولما أراد امرؤ القيس بن حجر غزو بني أسد ليطلب ثأر أبيه فيهم ، نزل بتبالة وبها صنم يسمى ذا الخلصة تستقسم العرب عنده بالسهام . فاستقسم امرؤ القيس فخرج الناهي فردّه ، ثم عاد فاستقسم فخرج الناهي فأعاده ، ثم استقسم فخرج الناهي ، فضرب بالسهام وجه ذي الخلصة وقال : عضضت بأير أبيك ! لو أبوك قتل ما نهيتني ؛ ومضى لوجهه ، فأوقع ببني أسد . فلم يستقسم بعد عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام . فهدمه جرير بن عبد اللَّه البجلي .
« 5 » - وأما الكهانة فكانت فاشية في الجاهلية حتى جاء الإسلام ، فلم يسمع فيه بكاهن ، وكان ذلك من معجزات النبوة وآياتها . وأخبار كهنة العرب عجيبة إن كانت صحيحة . فمن ذلك خبر سطيح حين ورد عليه عبد المسيح وهو يعالج الموت ، فأخبره - على ما يزعمون - ما جاء لأجله وبتأويله . والخبر : لما كانت ليلة ولد فيها النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرافة ، وخمدت نار فارس ، ولم تكن خمدت قبل ذلك ألف عام ، وغيضت بحيرة ساوة ، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها ، فلما أصبح كسرى تصبّر تشجّعا ، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته . فلبس تاجه وقعد على سريره ، وجمعهم فأخبرهم بالذي جمعهم له .
فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار ، فازداد غما إلى غمه ، فسأل الموبذان ، وكان أعلمهم في أنفسهم ، فقال : حادث يكون من ناحية العرب .
هامش
« 5 » انظر مادة Kihana في الموسوعة الإسلامية ( بالإنجليزية ) 5 : 99 ولسان العرب ( كهن ) ونهاية الأرب 3 : 128 - 130 وفيه ؟ ؟ والأزمنة والأمكنة 2 : 196 - 198 .