ذلك مما هو مشروح في أبوابه وفصوله ، ومغن بتمييزه ( 1 ) عن الدأب في تطلبه وتحصيله .
وشرّفت كلّ باب بأن بدأته بآي من كتاب اللَّه سبحانه وتعالى ، وأثر من رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وقدّمت أمامه تحميدا يكون مشيرا إلى معناه ، وطليعة لمقصده ومغزاه ، وختمته بطرف من نوادره ، وملح من غرائبه ، ليستريح إليها اللغب الطليح من كلال الحدّ ، ويأمن معها الدئب الحريص من ملال الجدّ ، خلا بابي الافتتاح والخاتمة فإنّهما للَّه خالصان ، وللانقاذ من هفوات القلب واللسان مؤمّلان .
وهو مصروف عن الإسهاب المملّ إذ كان مطيّة العثار والإرداء ، ومصدوف عن الاختصار المخلّ فإنه مظنّة الخيبة والإكداء ، وهما طرفان مذموم بهما الإفراط ، وخير الأمور الأوساط ( 2 ) ، وما ألوت جهدا في الاختيار ، ولا يلزمني أن يكون لكل الناس رضى فقد يروق للرجل لفظ وهو للآخر قذى ، ويلذّ له معنى ويجده سواه أذى ، والعالم في المقاصد شتّى الطرق أخياف ( 3 ) ، والاختيارات لها ائتلاف واختلاف .
وأفردت منه بابا يشتمل على جمل من التاريخ ليعرف منه أهل كلّ زمان ، وأعيان كلّ أوان ، فيسلم ممّا ابتلي به بعض الفضلاء وقد ذكر رؤيا رآها هارون الرشيد زعم أنه قصها على ابن سيرين ، فصار بما جهل من تباعد عصريهما ضحكة للحاضرين ، وودّ لو كان وفضله في الغابرين .
شرح
( 1 ) ح : بتميزه .
( 2 ) خير الأمور أوساطها مثل عند أبي عبيد : 220 وجمهرة العسكري 1 : 419 والميداني 1 : 243 ، والمستقصى 2 : 77 ، وفصل المقال : 317 ، وسيرد منسوبا للرسول في الفقرة : 549 .
( 3 ) أخياف : مختلفون ، ومنه قول الراجز :الناس أخياف وشتى في الشيم
وكلهم يجمعهم بيت الأدمانظر أمثال أبي عبيد : 132 وجمهرة العسكري 2 : 303 ، والميداني 2 : 333 ، والمستقصى 1 : 351 ، وفصل المقال : 197 .