تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
* ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * ( الأحزاب : 21 ) فرغب أقوام عن عيشه ، وسخطوا ما رضي له ربه ، فأبعدهم اللَّه وسحقهم . ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك ، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك . رحم اللَّه رجلا نظر فتفكر وتفكر فاعتبر واعتبر فأبصر وأبصر فصبر ، فقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم فلم يدركوا ما طلبوا ، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا . يا ابن آدم اذكر قوله : * ( وكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه طائِرَه فِي عُنُقِه ونُخْرِجُ لَه يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) * ( الإسراء : 13 - 14 ) . عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن تردّ عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها وكانوا فيما أحلّ اللَّه لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم . يا ابن آدم ليس الإيمان بالتحلَّي ولا بالتمني ، ولكنه ما وقر في القلب ( 1 ) وصدّقته الأعمال . [ 404 ] - وكان يقول : لا يستحقّ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدا بعيب هو فيه ، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك في نفسه ، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عملا ( 2 ) إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي أن يصلحه ، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره . وإنك ناظر إلى عملك خيره وشرّه فلا تحقرنّ شيئا من الخير وان صغر ، فإنك إذا رأيته سرّك مكانه ، ولا تحقرنّ شيئا من الشرّ وإن صغر ، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه . [ 405 ] - وكان يقول : كان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم ، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في
شرح
( 1 ) البيان : القلوب . ( 2 ) البيان : عيبا .
هامش
[ 404 ] البيان والتبيين 3 : 135 . [ 405 ] البيان والتبيين 3 : 136 وجامع بيان العلم 1 : 231 ( لأبي حازم ) .