سبيل اللَّه والمستأذنين المتخلفين عنها . وبيان لحقيقة أمرهم من جهة وتطمين وتسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمسلمين من جهة أخرى بالتقريرات التالية :
1 - لو كان ما دعوا إليه غنيمة قريبة المنال أو رحلة قصيرة المسافة قليلة العناء لاتبعوه حرصا على المنفعة الدنيوية . ولكنهم رأوا المسافة بعيدة والرحلة شاقة فبدا منهم ما بدا من الاستثقال .
2 - ولسوف يحاولون الاعتذار ويحلفون أن لو استطاعوا لخرجوا مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم في حين أن اللَّه تعالى يعلم أنهم كاذبون . وليست أيمانهم إلَّا لتزيد في إثمهم ووسيلة جديدة لهلاكهم وعذابهم .
3 - وأذن النبي لهم بالتخلَّف حينما استأذنوه بذلك كان خطأ عفا اللَّه عنه .
وكان الأحرى به أن لا يأذن حتى تظهر له حقيقة أمرهم ويتبين بذلك الصادق من الكاذب . فإنه لا يمكن لمؤمن مخلص باللَّه واليوم الآخر أن يستأذن بالتخلف وبأعذار كاذبة عن الجهاد بماله ونفسه . واللَّه يعلم حقيقة المتقين المخلصين ولا يتقاعد عن الجهاد ويستأذن النبي بالتخلف إلا الذين لا يؤمنون إيمانا صادقا باللَّه واليوم الآخر والذين ارتكسوا في الشكوك والتردد .
4 - ولو أرادوا الخروج حقا وكانت معذرتهم التي أدلوا بها للتخلف طارئة حقا لكانوا أعدوا عدة الخروج . ولكنهم لم يفعلوا شيئا من هذا فدل ذلك على تصميمهم من البدء على التخلف وعدم الاستجابة وحق عليهم أن يقال لهم اقعدوا مع القاعدين العاجزين كالصبيان والنساء والطاعنين في السنّ والمرضى والزمنى والعميان . . .
5 - ومع ذلك فإن اللَّه قد أراد الخير للمسلمين فيما كان منهم لأنه يعلم نواياهم . ويعلم أنهم لو خرجوا معهم لما كان منهم إلا الفساد والسعي بالنميمة وإيقاع الاضطراب في صفوف المسلمين وإثارة الفتنة بينهم . ولا سيما أن في المسلمين من له صلات بهم ، يسمع كلامهم ويتأثر به ( 1 ) ولذلك لم يشأ اللَّه تعالى
هامش
( 1 ) بعض المفسرين ومنهم الطبري من أوّل جملة * ( وفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) * بتأويل ثان مع التأويل الذي أولناه بها وهو أن بينكم أناس غير منافقين عيون لهم ينقلون إليهم أخباركم . والتأويل الذي اخترناه هو الأوجه لأن غير المنافق أجلّ من أن يكون عينا . واللَّه أعلم .