تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
ومما يجعل القول الثاني أكثر ورودا ووجاهة أن ألفاظ القرآن ( مفرداتها وتركيباتها ) ليست أمرا قاصرا على القرآن . وإنما هي مما يستعمله الناطقون باللغة العربية للتعبير عن أفكارهم نطقا وكتابة . وكان ذلك قبل نزول القرآن واستمرّ بعده وإلى ما شاء اللَّه . وهي ألفاظ بشرية للتعبير عن أمور وأفكار بشرية حادثة . واللَّه ليس كمثله شيء . فله سمع وبصر ولكن ذلك غير مماثل لأي شيء كما جاء في آية سورة الشورى التي أوردناها والتي هي ضابط قرآني هام في مثل هذه المسائل . ومن ذلك فهو متكلم ولكن كلامه غير مماثل لأي شيء . وهناك أمر آخر مهم يقوي ذلك أيضا وهو أن اللَّه عزّ وجلّ لم يكلم النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن مباشرة . ففي سورة الشعراء هذه الآيات نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ ‹ 193 › عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ‹ 194 › بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ‹ 195 › . وفي سورة النحل هذه الآيات وإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّه أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ‹ 101 › قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدىً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ‹ 102 › . وفي سورة البقرة هذه الآية قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّه نَزَّلَه عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه وهُدىً وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ‹ 97 › . أي إن الذي كلم النبي مباشرة وقرأ عليه القرآن ونزّله على قلبه هو جبريل الذي وصف في آيتي النحل والشعراء بالروح الأمين والروح القدس . وجبريل مخلوق مثل سائر خلق اللَّه ، ينقل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ما يتلقاه من اللَّه . أما كيف كان جبريل يتلقى القرآن من اللَّه تعالى فقد يصحّ أن يترك تأويله للَّه عزّ وجلّ تبعا لمسألة الملائكة على ما شرحناه في سياق سورة المدثر . ويصح أن يقال أيضا واللَّه أعلم أن اللَّه يخلق معنى ما يريد وحيه قرآنا إلى نبيّه في جبريل فينزل به على قلب النبي بألفاظه العربية . ويظهر أن المفسرين الذين لم يفتهم هذا المعنى فطنوا إلى ما يمكن أن يورد عليه بما جاء في سورة القيامة فَإِذا قَرَأْناه فَاتَّبِعْ قُرْآنَه ‹ 18 › فقال ابن عباس في تأويل