تواترا . وهذا يستلزم كونه مكتوبا في المصاحف مقروءا بالألسن مسموعا بالآذان .
وكل ذلك من سمات الحدوث بالضرورة . ويردّ عليهم جمهور أهل السنة بأنه كلام اللَّه مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا غير حالّ فيها بل هو معنى قديم قائم بذات اللَّه يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف ويكتب بالقلم . وأن المراد بأن القرآن غير مخلوق هو حقيقته الموجودة في الخارج .
هذه خلاصة وجيزة جدا لرأي علماء المذاهب الكلامية . وواضح أن الجماعات المختلفة يعترفون بكمال صفات اللَّه وأن اختلافهم هو حول آثار هذه الصفات وتخيلها وتفهمها . وأن شأنهم في هذا شأنهم في الخلافات الكلامية الأخرى المتصلة باللَّه تعالى وقدرته وكنهه وما ينسبه القرآن إليه من أعضاء وأفعال .
منهم المعظم للَّه ومنهم المنزّه له . وأنهم متفقون على أن القرآن منزّل من اللَّه تعالى على نبيّه صلى اللَّه عليه وسلم .
ونعتقد أن ثوران هذه المسألة الخلافية وما يترتب عليها من فتنة ومحنة في أوائل القرن الثالث الهجري ذو صلة بالأحداث السياسية والنحلية والطائفية والعنصرية التي حدثت في القرن الإسلامي الأول . ومن مظاهرها مسألة القدر وفرق المسلمين فيه على ما شرحناه في سياق سورة القمر مع احتمال أن يكون لتسرب الأفكار والكتب اليونانية وغير اليونانية أثر فيها . وأنها ضخّمت أكثر مما تتحمله طبيعتها . وقد يصح أن يقال مع ذلك أن للقرآن صلة وثقى بأحداث السيرة النبوية وظروف البيئة النبوية وشؤون البشر والحياة على إطلاقها وأن جلّ سوره وفصوله وآياته أو كلَّها قد نزلت حسب المناسبات والأحداث والمقتضيات من هذه السيرة والظروف والشؤون . وأنه استهدف صلاح البشر وتوجيههم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة . وكل هذا من الأمور الحادثة المتجددة المتبدلة المتطورة ، ويجعل القول الثاني أكثر ورودا ووجاهة . ولا سيما إن القول الأول يؤدي إلى حرج القول أنه ما دام كلام اللَّه صفة غير منفكة عن ذات اللَّه وما دام القرآن هو كلام اللَّه فيكون القرآن هو ذات اللَّه سبحانه وتعالى . . .
التفسير الحديث — صفحة 362
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٣٦٢