تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ ‹ 29 › وسمّاها سيفا في قتال أهل الكتاب . ومنها هذه الآية من سورة التوبة أيضا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ ‹ 73 › وسمّاها سيفا في قتال المنافقين . ومنها هذه الآية في سورة الحجرات وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّه [ 9 ] وسمّاها سيفا في قتال أهل البغي . ومن العجيب أن الطبري ذهب إلى أن هذه الآية تشمل المعاهدين حين انتهاء مدتهم أو إذا نقضوا العهد ومن لا عهد لهم إطلاقا دون تفريق مع أنه قرر في سياق آية الممتحنة هذه لا يَنْهاكُمُ اللَّه عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‹ 8 › أنها محكمة وأن اللَّه لا ينهى المسلمين عن البرّ والإقساط لمن يقف منهم موقف المسالمة والمحاسنة والحياد من أية ملَّة كانوا . وهؤلاء قد لا يكونون معاهدين ! . كل هذا والآية كما هو واضح من فحواها وسياقها هي في صدد قتال المشركين المعاهدين الناقضين لعهدهم وحسب . بحيث يسوغ القول إن اعتبارها آية سيف وجعلها شاملة لكلّ مشرك إطلاقا تحميل لها بما لا يتحمله هذا السياق والفحوى . وكذلك الأمر في اعتبارها ناسخة للتقريرات القرآنية المنطوية في آيات عديدة والتي عليها طابع المبدأ المحكم العام مثل عدم الإكراه في الدين والدعوة إلى سبيل اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن والحثّ على البرّ والإقساط لمن لا يقاتل المسلمين ولا يخرجونهم من ديارهم على ما نبهنا عليه في مناسبات عديدة سابقة . ومنها آية سورة النساء [ 90 ] التي سنورد نصّها بعد قليل والتي تذكر أن اللَّه لم يجعل للمسلمين سبيلا على من لا يقاتلهم ومن يعتزلهم ويلقي إليهم السلم . ويأتي بعد قليل آية فيها أمر صريح للمسلمين بالاستقامة على عهدهم مع المشركين الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام ما استقاموا لهم بدون تحديد وتوقيت . وفي هذه الآية دليل قوي على وجاهة ما نقرره إن شاء اللَّه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) في تفسير المنار تعليق سديد على هذا الموضوع في سياق الآيتين متطابق في النتيجة مع ما قررناه .
التفسير الحديث — صفحة 352 | محمد عزة دروزة