فليس يعقل قط أن النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم بعد أن يرسل الآيات مع أبي بكر أو يكلفه بإعلان المسائل يبعث عليّا ليأخذها منه . وليس يعقل قط أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول لا يبلَّغ عني إلَّا رجل مني أو إلَّا من أهل بيتي في أمر لا صلة له بالاعتبارات الأسروية وإنما هو متصل بمهمته العظمى التي اختصه اللَّه تعالى بها لخصائصه الذاتية التي عبّرت عنها جملة اللَّه أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه [ الأنعام : 124 ] وجملة وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] . ولقد كان من المعقول أكثر لو فكّر النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم بمثل هذه الاعتبارات - وحاشاه ذلك - أن يرسل عليّا أميرا على الحجّ دون أبي بكر . وحديث البخاري عن أبي بكر الذي يعتبر أصحّ الأحاديث والروايات الواردة في هذا الصدد صريحة بأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كلَّف أبا بكر ببعض المسائل الواردة في الآيات ثم أرسل عليّا بمسألة أخرى رأى وجوب إعلانها أيضا . وأن الإعلان كان بإشراف أبي بكر وأمره وأن عليّا شارك أو ساعده فيه . وهذا هو الذي يعقل أن يكون وقع دون الحواشي والزوائد الواردة في الروايات الأخرى واللَّه تعالى أعلم .
ولقد تعددت الأحاديث والأقوال التي يرويها المفسرون عن رسول اللَّه وبعض أصحابه وتابعيهم في المقصود ب * ( يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ) * . وبعض الأحاديث والأقوال تروى متناقضة عن نفس الأشخاص . فقد روي عن قيس بن مخرمة أن رسول اللَّه خطب يوم عرفة فقال : « هذا يوم الحجّ الأكبر » وروي عن ابن عمر أن رسول اللَّه وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال : « هذا يوم الحجّ الأكبر » . وروى بعضهم عن علي أنه يوم عرفة . كما روى بعضهم عنه أنه يوم النحر . وروي عن عمر وابن الزبير أنه يوم عرفة . وعن عبد اللَّه بن قيس والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة أنه يوم النحر . وإلى هذه الأقوال روي عن مجاهد أن قرن الحج مع العمرة هو الحج الأكبر تمييزا له عن الإفراد بين العمرة والحج الذي يسمى الحج الأصغر . وروي عنه في الوقت نفسه أن جميع أيام منى أو أيام الحج كلها هي يوم الحج الأكبر تمييزا لها عن العمرة لحدوثها في غير موسم الحج التي كانت تسمى الحج الأصغر . وهناك قول غريب عن الحارث بن نوفل أنه يوم حج رسول اللَّه حجة الوداع حيث اجتمع في ذلك اليوم حجّ المسلمين وحجّ اليهود وحجّ
التفسير الحديث — صفحة 348
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٣٤٨