وقال له : ما نأمن أن تكون له في قريش صولة . فأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عليّا أن يدركه فيأخذ الراية منه فيكون هو الذي يدخل بها . ولما دخل النبي صلى اللَّه عليه وسلم مكة عمد توّا إلى الكعبة فطهرها من الأصنام . وكان في جوفها وحولها نحو 360 صنما ، ووجد على جدرانها صورا لإبراهيم وهو يستقسم الأزلام ، وصورا لعيسى والملائكة فأمر بطمسها . وفي ثاني يوم احتشد الناس حول الكعبة فخطب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيهم خطبة بدأها بقوله : « لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له . صدق وعده . ونصر عبده . وهزم الأحزاب وحده » . ثم قال : « ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلَّا سدانة البيت وسقاية الحاج . يا معشر قريش . إن اللَّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء . الناس من آدم وآدم من تراب . يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقاكُمْ [ الحجرات : 13 ] يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم . فأجابوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء » .
وأخذ أهل مكة يقبلون بعد ذلك على مبايعة النبي ويعلنون إسلامهم . وأرسل النبي صلى اللَّه عليه وسلم خالد بن الوليد لهدم العزّى وعمرو بن العاص لهدم سواع وسعيد بن زيد لهدم مناة في أطراف مكة . وعدا خزاعي على مشرك من هذيل في أثناء ذلك فقتله فقام النبي صلى اللَّه عليه وسلم خطيبا فقال : « أيها الناس . إنّ اللَّه حبس عن مكة الفيل . وسلَّط عليها رسوله والمؤمنين . ألا وإنها لم تحلّ لأحد من قبلي ولا تحلّ لأحد من بعدي .
وإنما حلَّت لي ساعة من نهار ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلَّغ الشاهد منكم الغائب . ولا يحلّ لامرىء يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا . ثم قال : يا معشر خزاعة . ارفعوا أيديكم عن القتل . لقد قتلتم قتيلا .
ولسوف أؤدي ديته . فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاؤوا فدم قاتله وإن شاؤوا فعقله » .
ولقد كان تصرّف النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومواقفه في أثناء الفتح رائعة عظيمة استهدف بها تأنيس الناس بالإسلام وتوطيد كلمة اللَّه وحرماته مع توطيد الأخوة والمساواة الإسلامية والإنسانية معا .
التفسير الحديث — صفحة 307
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٣٠٧