ولقد روى المفسرون أحاديث وروايات في صدد هذه الجملة يكاد ظاهرها يبعدها عن المعنى الرائع الدستوري الشامل الذي نوهنا به . ويجعلها في صدد أمور ثانوية أو محددة . فقد روى الخازن عن أسيد بن أسيد عن امرأة من المبايعات قالت : « كان فيما يأخذ رسول اللَّه من المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا » وعن أنس : « أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن . فقلن يا رسول اللَّه نساء أسعدننا في الجاهلية - أي نحن معنا على أمواتنا - فنسعدهن ؟ فقال لا إسعاد في الإسلام » ( 1 ) وروى الطبري عن أبي الجعد أن جملة * ( ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) * هي النوح . وعن ابن عباس : « ولا يعصينك في معروف أي لا ينحن » وعن زيد بن أسلم : « ولا يعصينك في معروف أي لا يخدشن وجها ولا يشققن جيبا ولا يدعون ويلا ولا ينشرن شعرا » . وعن قتادة : « أخذ عليهن لا ينحن ولا يخلون بحديث الرجال إلا مع محرم » .
وهذه الروايات والأحاديث قد تكون صحيحة . غير أنها ليس فيها حديث نبوي يفسر الجملة بالمنهيات أو يحصرها فيها . وليس من شأنها بالتبعية أن تغطي على المعنى الدستوري العام المطلق الذي ينطوي في الجملة . وكل ما في الأمر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم كان ينهى النساء حينما كان يأخذ البيعة منهن عن بعض عاداتهن المنكرة التي فيها معصية والتي هي من متناول النهي القرآني فالتبس الأمر على الرواة .
ونستطرد إلى القول بأن المفسرين أوردوا أحاديث نبوية عديدة في سياق تفسير هذه الجملة في النهي عن النياحة وردت في الكتب الخمسة أيضا . وقد رأينا أن نجاريهم في إيرادها لما فيها من تأديب نبوي رائع . من ذلك حديث عن عبد اللَّه رواه الخمسة إلَّا أبا داود جاء فيه : « قال النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ليس منّا من ضرب الخدود وشقّ
هامش
( 1 ) من العجيب أن الطبري روى حديثا مناقضا لهذا الحديث عن مصعب بن نوح الأنصاري أن عجوزا لما سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يأخذ على النساء عهدا بعدم النوح قالت يا رسول اللَّه إن أناسا كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني وقد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أن أسعدهم فقال لها فانطلقي فكافئيهم فانطلقت ثم أتت فبايعته .