تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ووقفوا من الدعوة موقف الانقباض . فالقول إن الآية نزلت في أول التبليغ لأنه ضاق ذرعا بمن كان يكذبه من الناس لا يصحّ تاريخا ولا موضوعا . ومسألة قضية اليهود في الزنا والرجم ومسألة نكاح زينب بنت جحش ليس لهما محل في هذا المقام . وما سبق الآية ولحقها يسوغان الجزم بأنها جزء من موضوع السياق المتصل بالنهي عن تولي أهل الكتاب ولومهم لأنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل اللَّه على رسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم الشامل لهم . وهذا يجعل قول الطبري الذي أوردناه في مطلع الروايات والأقوال هو الأوجه المتسق مع السياق والفحوى . وقد عزاه الطبري إلى ابن عباس وقتادة وقال في توضيحه إن اللَّه أمر رسوله بإبلاغ اليهود والنصارى الذين قصّ قصتهم وذكر انحرافهم ونهى عن موالاتهم ما أنزله عليه دون أن يشعر نفسه حذرا منهم أن يصيبه مكروه ولا جزع من كثرة عددهم وقلة عدد من معه وأن لا يتقي أحدا في ذات اللَّه فإن اللَّه تعالى كافيه كل أحد من خلقه ودافع عنه كل مكروه . وأعلمه أنه إن قصر في إبلاغ شيء مما أنزل عليه فهو في تركه شيئا من ذلك وإن قل فيكون في منزلة من لم يبلغ منه شيئا وهذا توضيح جيد يجلي الآية ومداها جلاء قويا . وقد يحسن أن نذكر في هذا المقام بالآيات الست الأخيرة من سورة الحجر حيث يصح القول إن الموقف الذي استوجب نزول هذه الآيات المكية وشرحناه في سياقها قد تكرر في العهد المدني بالنسبة لأهل الكتاب فاقتضت حكمة اللَّه تنزيل الآية لتثبت النبي وإيذانه بأن اللَّه عاصمه منهم كما آذنه في آيات الحجر أنه عاصمه من المشركين وأن عليه أن يستمر في مهمته وإبلاغ ما أنزل اللَّه عليه دون خشية من أحد كتابيّ وغير كتابيّ . ولعلّ ما روي في سياق الآية من أن النبي أرسل إلى أبي طالب يخبره أن اللَّه عاصمه وكافيه ، إن صحّ ، قد كان في مناسبة آيات سورة الحجر المكية فالتبس الأمر على الرواة . ومع ذلك فإنه يتبادر لنا أن في الآية تأييدا أقوى لما ذكرناه في سياق تفسير الآيتين [ 15 ، 16 ] من هذه السورة من احتمال صحة روايات إرسال النبي صلى اللَّه عليه وسلم رسلا وكتبا إلى ملوك وأمراء البلاد المتاخمة ودعوتهم إلى الإسلام . وذلك باحتوائها أمرا مؤكدا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم بتبليغ رسالته لأهل الكتاب دون أن يخشى شيئا وتطمينا بأن اللَّه تعالى حاميه وعاصمه حيث يمكن أن