كاتب فلو اتخذته كاتبا فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المسلمين » . وعقب ابن كثير على هذا بقوله إن الآية مع هذا الأثر دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم . وفي كتاب تاريخ عمر بن الخطاب للجوزي بعض أخبار مماثلة أو مقاربة لما رواه ابن أبي حاتم .
ونقول تعليقا على ذلك : إن التعليلات التي احتوتها الآيات قوية الدلالة على أن النهي هو عن الذين عرفوا بعدائهم ومكرهم وكيدهم وقصدهم السوء بكل موقف ووسيلة للمسلمين . أو على الأقل الذين يغلب الظن على أنهم كذلك . أما من كانوا أو من غلب الظن على أنهم كانوا غير ذلك فلا نرى في الآية دليلا على عدم جواز انتفاع المسلمين بخبراتهم المتنوعة بالإضافة إلى حسن التعايش معهم .
وإذا صح ما روي عن عمر للظرف الذي كان الذميون فيه مظنة ريب وخيانة وغدر فليس من شأنه أن يكون قاعدة عامة مستمرة إلَّا في نطاق ذلك . ولقد تصدى رشيد رضا لهذه المسألة بكلام طويل انتهى فيه إلى النتيجة التي قررناها آنفا . واللَّه تعالى أعلم .
ويأتي بعد هذه الآيات فصل جديد طويل في صدد وقعة أحد . وبذلك ينتهي الشطر الأول من السورة الذي كان في صدد أهل الكتاب من نصارى ويهود . والذي نستلهمه من فحوى الآيات أن ما يتصل بمناظرة وفد نجران منه ينتهي بالآية [ 68 ] وليس فيه عنف وقسوة لأن الوفد قد جاء مستطلعا مناظرا ثم توادع مع النبي ورجع إلى بلاده على ما شرحناه قبل . وأن الآية [ 69 ] وما بعدها إلى آخر الآية [ 120 ] هي في صدد اليهود ومواقفهم الكيدية والتشكيكية والعدائية ولذلك تميزت عن الآيات السابقة لها بالعنف في التنديد والاستنكار والتحذير . وهكذا تكون سورة آل عمران كسورة البقرة قد احتوت سلسلة طويلة في حقّ اليهود اقتصرت على ذكر هذه المواقف دون استطراد إلى ربط حاضرهم بغابرهم إلَّا لماما . والسلسلتان تدلان على ما كان لليهود من أثر في بيئة النبي صلى اللَّه عليه وسلم وعلى ما كان من نشاطهم الشديد في مناوأة النبي والمسلمين والإسلام ، فاقتضت حكمة التنزيل أن تأتيا بالأسلوب
التفسير الحديث — صفحة 221
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٢٢١