تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الآيات السابقة من خطاب للمسلمين ، أو لأنها نزلت بعدها . ومهما يكن من أمر ففي الآية إعلان للمؤمنين بما سوف يقع عليهم من الشدة . ودعوة لهم إلى توطين النفس على الصبر والتحمل . وتنبيه على أن هذا كان من شأن من قبلهم من المؤمنين وأنبيائهم . وبشرى بنصر اللَّه في النهاية . وتقرير بأن هذا النصر لن ينال إلَّا بالصبر والتضحية . وفي كل هذا تلقينات وعظات نفسية جليلة مستمرة المدى ، ومنبع لا ينضب يمد النفس المؤمنة بالقوة المعنوية . وقد تكرر هذا في مقامات عديدة ، ومنه ما مرّ في سور سابقة منها آيات سورة العنكبوت [ 1 - 3 ] . ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا ورد في التاج برواية البخاري وأبي داود عن خبّاب قال : « أتينا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو متوسّد بردة في ظلّ الكعبة فشكونا إليه وقلنا ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فجلس محمرّا وجهه فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه . ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه . واللَّه ليتمّنّ اللَّه هذا الأمر حتّى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا اللَّه والذئب على غنمه ولكنّكم تعجلون » ( 1 ) . والحديث مكي كما يستفاد من مطلعه . وفيه مظهر رائع من قوة إيمان الرسول بما هو عليه من الحق وبنصر اللَّه إياه في عهد مكة برغم ما كان يحدق به وبأصحابه من أخطار ويقاسونه من شدة . وينطوي فيه ما ينطوي في الآية من تنبيه وتطمين ومعالجة روحية ، وفيه بشرى قد تحققت بنصر اللَّه وتمام أمر اللَّه فكان ذلك معجزة نبوية أو مصداقا لنبؤة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الصادقة . والآية التي نحن في صددها مدنية ، والمتبادر أنها نزلت في ظرف مماثل للشعور بالشدة الذي كان المؤمنون يشعرون به في مكة حيث اقتضت ذلك حكمة التنزيل للتطمين والبشرى .
هامش
( 1 ) التاج ج 4 ص 54 .