وفي صدد الشطر الثاني من الآية [ 109 ] نقول إنه احتوى خطة للمسلمين وإنذارا لليهود ، فعلى المسلمين أن يتسامحوا ويصبروا إلى أن يكون أمر آخر للَّه ، وعلى اليهود أن لا يستعجلوا هذا الأمر الآخر الرباني .
والمتبادر أن اليهود لم يكونوا قد تجاوزوا المماحكات الكلامية ومواقف الدسّ الحذرة إلى النكث والعداء الصريحين فاقتضت حكمة التنزيل أن يؤمر المسلمون بما أمروا . ثم تجاوزوها إلى النكث والعداء الصريحين فأتى بذلك أمر اللَّه الأخير بقتالهم والتنكيل بهم على ما سوف يأتي شرحه في سياق تفسير سورة آل عمران والأنفال والأحزاب والفتح والحشر ، وقد لحظ المفسرون هذا ونبهوا عليه بدورهم .
والمتبادر أن ما جاء في الآية [ 110 ] قد أريد به تلقين المسلمين عدم الاهتمام والاغتمام بدسائس اليهود ومكائدهم ، فعليهم أن يقوموا بواجباتهم نحو اللَّه والناس فهو المطلوب منهم وسيكون ما يقدمونه بين أيديهم من خير عدة لهم في الآخرة .
ومع خصوصية الآيات الزمنية والموضوعية فإن فيها تلقينات قرآنية جليلة مستمرة المدى مثل سابقاتها بالإضافة إلى ما نبهنا عليه سواء أفي تعليمها أدب الكلام والاستماع ، أم في تحذيرها من الألفاظ التي تحدث امتعاضا ولو لم يكن مقصودا أم في الشك بعد الإيمان وإثارة المواضيع التي لا طائل من ورائها أو يكون من ورائها تشويش وبلبلة . أم في الاستماع لوساوس ذوي النوايا الخبيثة الذين يصدرون عن حقد وحسد ومكابرة في الحق ولا يطيب لهم إلا الكيد والدس وإثارة الشبهات وإضعاف القلوب والعزائم .
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية [ 108 ] بعض الأحاديث المتساوقة معها مدى وتلقينا . من ذلك حديث رواه مسلم جاء فيه : « إنّ أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته » ( 1 ) . وحديث رواه الشيخان عن
هامش
( 1 ) أورد هذا الحديث مؤلف التاج ج 4 ص 95 .