ويلحظ أن الآية الثانية قرنت جبريل وميكال معا في معرض إعلان عداء اللَّه للذين يعادونهما في حين أن الروايات تذكر أن اليهود قالوا إن جبريل عدونا وميكال سلمنا وأن الحديث لم يذكر ميكال .
ومهما يكن من أمر فإن روح الآيتين وورودهما في سياق جملة طويلة على اليهود واختصاص جبريل وميكال بالذكر يلهم أنهما نزلتا بسبب محاورة جرت بشأنهما مع اليهود وأن هؤلاء أعلنوا عداءهم لهما أو لأحدهما فردت الآيتان عليهم كأنما تقولان : إذا كانوا أعداء لجبريل فليموتوا بغيظهم فهو الذي ينزل بالقرآن على قلب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأنه هو وميكال صاحبا حظوة عند اللَّه وأن معاداتهما هي كمعاداة اللَّه وكفر به ومجلبة لعدائه .
وواضح من هذا أن الآيتين جزء من السلسلة والمتبادر أن الحادث وقع في أثناء نزول السلسلة وبعد نزول حلقاتها الأولى فتضمنت الآيات الرد عليهم واللَّه أعلم .
هذا ، وأسلوب الآية الأولى أسلوب توكيد وتطمين للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمؤمنين كما هو المتبادر منه . وهذه أول مرة يرد فيها ذكر جبريل بصراحة ، وأنه هو الذي ينزل بالقرآن على قلب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . أما قبل ذلك فقد ورد بتعبير الروح الأمين في سورة الشعراء والروح القدس في سورة النحل . وجبريل لفظ معدول أو معرب عن جبرائيل المؤلفة من مقطعين ( جبرا ) و ( ايل ) والمقطع الثاني يعني اللَّه في اللغات العربية القديمة . وفي تفسير الطبري ما يفيد أن هذا كان مفهوما كذلك عند أهل التأويل من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتابعيهم . وهكذا يكون معنى الاسم جبر اللَّه أو قوة اللَّه وقد ورد ذكره في الأناجيل بوصفه ملك اللَّه الذي بشر زكريا بابنه يحيى ( 1 ) .
وأسلوب ذكره هنا يشعر بعظم مقامه عند اللَّه وهذا ما يشعر به أسلوب ذكره للمرة الثانية في آية سورة التحريم التي نزلت في ظروف أزمة وقعت بين النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ونسائه وهي : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإِنْ تَظاهَرا عَلَيْه فَإِنَّ اللَّه هُوَ مَوْلاه وجِبْرِيلُ
هامش
( 1 ) انظر الإصحاح الأول من إنجيل لوقا .