الراجع إلى الكفار موضوع الكلام فيه من القرآن على ذلك . ولهذا يسوغ أن يقال إن حكمة التنزيل شاءت أن تشير إلى هذا الحادث الذي يمكن أن يكون وقع قبل نزول السورة في سياق حملة تنديدها على الكفار .
ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن باب العذاب الشديد الذي أنذرت به الآية الثالثة هو وقعة بدر . وهذا ما روي أيضا في سياق تفسير جملة يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى [ 16 ] في سورة الدخان . ولقد روى ذلك البغوي أيضا ثم قال وقيل إنه الموت وقيل إنه قيام الساعة . وقد قال ابن كثير إنه عذاب الآخرة . ونحن نرجّح هذا لأنهم يكونون يوم القيامة يائسين مبلسين . واللَّه أعلم .
وهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ‹ 78 › وهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وإِلَيْه تُحْشَرُونَ ‹ 79 › وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَه اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ‹ 80 › .
الآيات موجهة للسامعين بصيغة الجمع المخاطب في معرض التذكير والتنديد : فاللَّه هو الذي أنشأ فيهم قوى السمع والبصر والعقل فكان ينبغي عليهم أن يشكروه على هذه النعم باستماع الحق ورؤية الحق وإدراكه بعقولهم . ولكنهم قلّ أن يفعلوا ذلك . وهو الذي خلقهم ونمّاهم في الدنيا وإليه مرجعهم في الآخرة .
وهو الذي يحيي ويميت وهو الذي قدّر الليل والنهار ليخلف أحدهما الآخر . فهلا تعقّلوا وأدركوا قدرته عليهم وانتهوا من غفلتهم وعدم حسبانهم العاقبة ؟ .
وأسلوب الآيات يسوغ القول إن الخطاب موجّه بخاصة إلى الكفار . وتكون الآيات والحالة هذه استمرارا في الحملة التنديدية والإنذارية السابقة لها .
وقد يلحظ أن مثل هذه الآيات قد تكرر أكثر من مرة حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت تكرارها بأساليب متنوعة لتكرر المواقف المماثلة أو تجددها ، شأن معظم القصص القرآنية بل وكثير من الفصول الحجاجية أو التي احتوت التنبيه على مشاهد عظمة اللَّه وقدرته في خلقه وكونه .