لهم طريق الحق والهدى أن الأرض إنما يرثها عباده الصالحون .
وفي الآية الثالثة : تقرير بأن فيما يذكر من ذلك بلاغا كافيا لمن استنار قلبه فآمن وعبد اللَّه وحده .
وفي الآية الرابعة : وجّه الخطاب إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن اللَّه إنما أرسله ليكون رحمة للعالمين بما يقوم به من تبليغ الناس أوامره ونواهيه وتوضيح طريق الحق والهدى والدعوة إليه .
وأسلوب الآيات قوي نافذ . وفي الآية الأخيرة معان قوية من التحبب والثناء والتطمين للنبي . ثم فيها إشارة قوية إلى مدى الرسالة المحمدية وما توخّى اللَّه فيها من الرحمة الشاملة للعالمين في كل مكان وزمان .
والمتبادر أن طيّ السماء وتمثيلها بالورقة التي تطوى للكتابة إنما قصد به توكيد قدرة اللَّه . فالناس يستعظمون ما يرونه من مشاهد الكون وبخاصة السماء ويستعظمون البعث بعد الموت : فكأنما أريد أن يقال لهم إن ما تستعظمونه ليس هو بالنسبة إلى قدرة اللَّه إلَّا شيئا تافها وأن يمثل لهم بمثل يستطيعون فهمه . وهذا المعنى قد تكرر في مواضع كثيرة في صدد القيامة وأحداثها بأساليب متنوعة .
والتنويع دليل على صحة ما نقرره إن شاء اللَّه . وقصد تقرير قدرة اللَّه على ذلك بارز في آية في سورة الزمر فيها عبارة مماثلة وهي : وما قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْرِه والأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُه يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‹ 67 › .
ولقد روى ابن كثير عن ابن عباس تأويلا لجملة * ( وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) * مفاده أن هذه الرحمة شاملة للمؤمنين وغير المؤمنين فيكون للأولين رحمة في الدنيا والآخرة . أما رحمة الآخرين فتتمثل في المعافاة مما أصاب الأمم السابقة من الخسف والقذف والمسخ والاستئصال . ويتبادر لنا أن في هذا التأويل تكلفا وبخاصة في شقه الثاني . وأن هدف الجملة هو تقرير كون اللَّه قد جعل رسالة رسوله رحمة للعالمين جميعهم بسبيل تقرير ما فيها من هدى والحثّ على الانضواء إليها .
التفسير الحديث — صفحة 294
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٢٩٤