تعليق على آية * ( ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْه يَصِدُّونَ ‹ 57 › ) * وما بعدها
والآيات ليست منقطعة الصلة بالآيات السابقة ، وبخاصة بالآيات التي سبقت قصة موسى وفرعون . وقد احتوت صورة من صور اللجاج والخصومة القوية التي كان عليها نبهاء العرب وفصلا من فصول الجدل التي كانت تقع بينهم وبين النبي صلى اللَّه عليه وسلم .
والمتبادر أن المشركين قالوا ردا على استشهاد القرآن برسل اللَّه وكتبه على كونه لم يأذن بعبادة آلهة غيره على ما جاء في الآية [ 45 ] إن هذا مناقض للواقع من حيث إن النصارى وهم مؤمنون برسل اللَّه وعندهم كتاب سماوي قد اتخذوا عيسى إلها وعبدوه . ثم استمروا في ردهم الذي ظنوه مفحما وملزما فتساءلوا عن الأفضل والصواب آلملائكة الذين يعبدونهم أم عيسى ؟ ويبدو أن تساؤلهم هذا قائم على ما كانوا يرونه من اتساق المنطق في صلة اللَّه الأبوية بالملائكة التي كانوا يقولون بها - وهي كون الملائكة بنات اللَّه - أكثر من صلة اللَّه الأبوية بعيسى التي كان يقول النصارى بها - وهي وكون عيسى ابن اللَّه - من حيث كون أوصاف الملائكة وحقيقتهم أكثر انسجاما أو تماثلا مع أوصاف اللَّه من وصف عيسى وحقيقته لأن هذا ولد وعاش ومات كما يولد ويعيش ويموت سائر البشر كما يقرره النصارى أنفسهم . في حين أن الملائكة نورانيون غير ماديين وغير مرئيين لا يموتون ولا يتزاوجون ولا يتوالدون وكل هذا من صفات اللَّه ! وقد نسفت الآيات بردها هذا الأساس الذي أقاموا عليه حجتهم فأوضحت أن عيسى ليس إلَّا عبدا من عباد اللَّه وأن خلقه ليس إلَّا آية ومعجزة ومثلا من آيات اللَّه ومعجزاته وأمثاله .
ولقد روى الطبري وابن كثير والخازن والبغوي أن الآيات نزلت بمناسبة اعتراض الكفار حين نزلت آية سورة الأنبياء هذه : إِنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ‹ 98 › بقولهم كيف يكون هذا